على الرغم من هبات التاريخ والجغرافيا التي تتميز بها الجزائر من اتساع الأرض وتنوع الثروات وتعداد السكان والفرص الواعدة للإقلاع الاقتصادي إلا أنها تعيش لحظات تاريخية بالغة السوء وشديدة البؤس بعد أن قضت سنوات بوتفليقة العجاف على الأخضر واليابس ودكت أعمدة الدولة الطوال وامتدت للإطاحة بالمنظومة التعليمية والصحية والقضائية وجعلت الجزائر تتذيل الأرقام في التصنيفات الدولية فأصبحت في وضعية عصية على الفهم مع علمنا بأن الجزائر لوقت ليس بالبعيد كانت من الدول المرشحة لتكون من النمور الاقتصادية في القارة الإفريقية ولكن الرياح تمشي بما لا تشتهي السفن.
من السهل جدا مواربة الحقيقة وتزييف الوقائع وتحريف الدلائل وتسويق الوهم في مجال السياسية ويسهل جدا على الساسة خداع الناس وإقناعهم بوجود علاقات غير موجودة وانجازات غير منجزة رغم ضرره البين ولكن عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد فالأمر مختلفا تماما لأن الاقتصاد لا يكذب ولا يسمح بالكذب عليه فمن غير الممكن أن تخفي الإفلاس الاقتصادي لوقت طويل فليست المؤشرات الاقتصادية وحدها ستفضحك بل الواقع المعاش الذي يحياه المواطنون سيفسد كل حيلة للتستر عن ذلك .
ولذلك أصبح المدخل الطبيعي والذي سبقت شعوب كثيرة للدخول منه إلى عالم الازدهار والرفاه هو الاقتصاد وليس السياسية التي يضيع في صراعاتها وكواليسها ومتاهاتها الكثير من الناس وقد جربنا ذلك الطريق في الجزائر منذ الاستقلال ولم نعود منه إلا بخفي حنين لذلك لن يكون مبررا مواصلة السير في الطريق التي بدأناها كيفما اتفق مبحرين اتكالا على الترقب مكررين الأخطاء التي ارتكبناها و مسلمين أمرنا للزمن فالزمن ليس حليفنا كما يقول أمين معلوف .
يجب علينا انقاذ الاقتصاد وتنظيفه من الكيانات الهيكلية غير الفعالة وتحريره من الفساد ومختلف العوائق الموروثة من العهد البائد والذهاب إلى الحرية الاقتصادية التي تجعل اقتصادنا قائما وواضحا لا يتكئ على ريع المحروقات ولا على بيع الموارد الطبيعية فقط بل اقتصاد منتج للثروة وخالق للقيمة المضافة أما إذا انتظرنا من الانفتاح السياسي أن يؤدي إلى تراكم رأس المال وزيادة الاستثمار ومضاعفة الإنتاج وسد العجز في الميزان التجاري وتوسيع أسواقنا الداخلية والخارجية فسيطول انتظارنا وفي هذا الصدد نستحضر قول الدكتور فريدمان ميلتون : ” تعلمت من هونج كونغ قبل أن تعاد للصين أنه في الوقت الذي تكون فيه الحرية الاقتصادية شرطا ضروريا للحرية السياسية والمدنية فان الحرية السياسية بقطع النظر عن مدى استحسانها ليست شرطا للحرية الاقتصادية والمدنية ” لا حاجة للمرء أن يكون خبيرا ماهرا ليدرك أن التحلل من المعارك السياسية والحروب الايديولوجية المرتبطة بالهوية والاثنية والتوجه رأسا لصياغة استراتيجيات اقتصادية فعالة لتحقيق تنمية طويلة المدى تنعكس ثمارها على المشهد الاجتماعي والسياسي على حد سواء هو خيارنا الأمثل في الوقت الراهن.










