أصبحت تشكل عملية النفايات وسط الأحياء السكنية و على جوانب الطرقات العامة و أماكن تواجدها، ظاهرة متنامية و سلوك غير صحي يضر بالبيئة و يؤرق المواطنين الذين يفضلون حرقها بالأخص خلال فصلي الصيف ضنا منهم بهذه الطريقة ستختفي و تتحول إلى رماد ، ولكن، هل اٍختفت في الحقيقة؟ الجواب : لا، لم تختفي بل تحولت إلى صورة ثانية أكثر خطورة و سامة جدا .
عندما نحرق القمامة المنزلية و ما تحتويه من لدائن و بلاستيك في الشوارع أو في ساحة حدائقنا الخلفية ، و نحن معتقدين أننا تخلصنا من تلك النفايات عندها نكون خاطئين، فقد انتقلنا من حالة سيئة إلى حالة أسوا، من حالة عدو لصحتنا و بيئتنا يمكن رؤيته و لمسه، فالنفايات عدو خفي قاتل لأنه يتحول إلى بخار سام بعد الحرق .
النفايات عدو نستطيع معالجته و احتوائه و القضاء عليه ، أما الأبخرة السامة المحتوية على مركبات كيميائية فهي عدو لا نستطيع التحكم فيه، فأثاره لن تنحصر على مدينتنا فقط بل على هذا الكوكب الجميل .
في الآونة الأخيرة، أصبحت ظاهرة تراكم القمامة مشكلة مستعصية في كلّ المدن بدون استثناء و هذا نتيجة التطور العمراني و التعداد السكاني الّذي أتى بكل هذا، و قد عانت دول عربية من هذه المشكلة مثلما حصل في مدينة بيروت و جبل لبنان خلال أزمة النفايات في 2015 الّتي تكدّست خلالها القمامة في الشوارع، هذا الأمر جعل ظاهرة حرق النفايات تنتشر بشكل كبير في غالبية دول العالم، فحسب التقديرات سنة 2013 أن 41% من كمية النفايات المنتجة في العالم يتم حرقها في الهواء الطلق، وهي تقريبا تصل إلى 970 مليون طن التي يتم حرقها كلّ سنة، بدون وجود أي نوع من أنواع الفرز و فصل النفايات البلاستيكية و غيرها …وهذه الكميات في تزايد مستمر إذا ما عرفنا أن كمية النفايات البلدية المنتجة عالميا كانت 0.68 بليون طن في 2002، وفي 2012 وصلت إلى 1.3 بليون طن و ستصل مع عام 2025 إلى حوالي 2.2 بليون طن سنويا حسب تقديرات البنك الدولي .
وفي الجزائر فان حجم النفايات على المستوى الوطني بنحو 13 مليون طن سنويا، منها 65 % في المناطق الحضرية و 35 % في المناطق الريفية و هذا خلال 2017 .
وقد تم إحصاء ارتفاع قدره 10 % في كمية النفايات المنزلية وفق نظام معلوماتي متطور يصنف النفايات من حيث الكم و النوعية ما يساهم في وضع الدراسات و الدعم التقني للجماعات المحلية.
أكد خبراء في الكوارث الطبيعية أن عملية الحرق العشوائي للنفايات التي تتم على مستوى الأحياء السكنية، لها تأثير خطير و عميق جدا على المدى القصير و الطويل في الأحياء البرية و البحرية و الإنسان و المجتمع ككل، فهي السبب الرئيسي وراء ارتفاع ثاني أكسيد الكربون في الجو الذي بدوره يسبب مشاكل صحية مثل الصداع و الدوخة و الغثيان و التقيؤ لمن استنشقه، و يؤثر في وظائف الدماغية العقلية و يبطئ من ردّات الفعل الطبيعية للإنسان.
أما الخطر الأكبر الثاني فهو انطلاق الأبخرة السامة المحتوية على الديوكسين و الفورانات و التي تعتبر من أخطر المركبات الكيميائية فتكا التي عرفها الانسان، و الديوكسين عائلة كبيرة تتكون من 210 مركب سام و أخطرها و الأكثر سمية على الإطلاق هي مادة 2.3.7.8 تيتراكلوروديبينزوديوكسين .
من مزايا الديوكسين ثباته في الطبيعة لأزمنة طويلة جدا و سهولة انتقاله عبر السحب إلى مسافات طويلة جدا تصل إلى مئات الكيلومترات، وهو المركب الّذي صنف من قبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان على أنه مادة مسرطنة جدا منذ عان 1997.
كما يؤثر على الصحة العامة بقوة و يسبب الآثار الجينية كالعيوب الخلقية، و خلل في الجهاز التناسلي الذكري مثل انخفاض عدد الحيوانات المنوية، تشوهات بالخصية، و انخفاض حجم الأعضاء التناسلية، و أيضا انخفاض مستوى هرمون تستوستيرون في الرجال .
كما يؤثر أيضا على الجهاز التناسلي الأنثوي مثل انخفاض الخصوبة و ضعف المبيض و التهاب بطانة الرحم و التغيرات الهرمونية، و أضراره على الأجنة و المواليد منها تأثيره على القدرة على تعلم الطفل و الانتباه و التغيرات في نسبة الجنس ( المواليد الذكور أقل ) دون نسيان المشاكل البيئية التي يمكن للديوكسين التسبب بها، فتزداد السموم في الهواء و تسبب تلوث التربة و المياه و إصابة الحيوانات و الكائنات البرية و البحرية كذلك .
الجسيمات الدقيقة وهي عبارة عن جسيمات صغيرة و التي تتراوح أحجامها مابين 2.5 إلى 10 ميكرومتر ، وهي تدخل الرئة بسهولة فتسبب تهيج في الجهاز التنفسي و هجمات الربو و السكتات القلبية و هذه الأجسام ينتج العالم منها خلال الحرق حوالي 10 مليون طن سنويا و من حيث البيئة فكثرة التعرض لهذه الجسيمات الدقيقة و انتقالها يزيد من نسبة السموم في البيئة فيحدث تلوث التربة و المياه و تراكم السموم بها .
هناك أيضا ما يسمى بالمركبات العضوية السامة الطيارة، وهي من ضمن الملوثات الخطيرة و هي تسبب أخطار صحية مباشرة منها السرطان و مشاكل و اضطرابات عصبية كما تسبب تلوث المياه و التربة و بالتالي تؤثر تأثيرا قويا غي الحيوانات فتسبب سرطانات في الثدييات و الطيور و الأسماك .
وأخيرا وليس آخرا أن الرماد المحمّل بالكيماويات السامة الذي تساهم الرياح غي نقله إلى أكبر منطقة، فتلوث التربة و المياه السطحية في المزارع التي تصل بدورها إلى الحيوان و منها الإنسان عندما يستهلك لحوم تلك الحيوانات كمل أن الرماد المتبقي يعتبر مشكلة لأنه يحتوي على كميات كبيرة من المعادن الثقيلة السامة مثل الزئبق و الكادميوم و الرصاص و غيرها التي تعتبر سامة جدا على الإنسان و الأحياء البرية و البحرية .
نعم إن القائمة طويلة للمركبات السامة التي تنتج من حرق القمامة في الهواء الطلق و كلما كانت القمامة غنية أكثر بالمواد الصناعية فستكون الانبعاثات أكثر من السموم و بالتالي الضرر الصحي و البيئي أكبر و أشد .
من الأفضل دائما فرز النفايات المنزلية قبل خروجها و خاصة قارورات مياه الجافيل أو الكلور و المواد المنظفة فمن الأحسن تنظيف بقاياها بالماء قبل رميها لأنها تنتج عن حرقها غاز الديوكسين الذي أخذ حصة الأسد في هذا المقال، اضافة إلى إخراج القمامة في أوقات تساعد شركات النظافة على إبعادها من الأحياء .
نظافة بيئتنا مسؤولية الجميع و أن نرتقي إلى بيئة نقية فهذا مرتبط بوعي الإنسان اتجاهها، فالبيت أيضا بيئة نحافظ عليها لأنه يحوينا، نفس الشيء بالنسبة للبيئة الخارجية التي هي الكوكب الّذي نعيش فيه فهو لم يعد يتحمل ما نلحق به من أضرار يوميا ولنا خير مثال عن ذلك في جائحة فيروس كورونا الّذي احتلّ رئة الإنسان و ترك الأرض تتنفس .










