عـبد الغـفـور ديـدي
يشهد سوق الكتاب في الجزائر انكماشا لا تخطئة العين المجردة فعلى الرغم من عدد دور النشر الناشطة في هذا المجال والتي أصبح عددها يضاهي عدد المكتبات، و مع تزايد طلبات الحصول على أرقام الايداع القانوني من المكتبة الوطنية، إلا أن صناعة الكتاب في الجزائر بقيت متواضعة مقارنة بدول الجوار كتونس والمغرب فضلا عن الدول العربية التي لها سبق في هذا المجال كمصر ولبنان، ولم تثمر المصادقة على مشروع القانون المتعلق بأنشطة وسوق الكتاب في البرلمان قبل خمس سنوات عن أية نتائج ملموسة، وحسب منظمة اليونسكو فإن عائدات تصدير الكتب في الجزائر خلال الخمس سنوات الماضية لم تتجاوز 1.4 مليون دولار بينما تخطت قيمتها 16 مليون دولار في المغرب و 11 مليون دولار في تونس خلال نفس الفترة.
الكتاب في الجزائر .. صورة غير مبهرة
افتقاد صناعة الكتاب في الجزائر الى رؤية استراتيجية من قبل الدولة جعل هذا المجال فضاء عشوائي يفتقد لأدنى معايير المهنية باعتباره مجال غير حيوي ولا يحتل أهمية في سلم الأولويات لدى القطاعين العام والخاص، فعكس مصر التي اشتملت خطة التنمية الثقافية فيها على اهتمام بالغ بالكتاب من خلال استحداث مشاريع ومؤسسات تعنى بهذا الأمر على سبيل المثال:
• المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر التي صارت تسمى بـ “الهيئة المصرية العامة للكتاب”، بعدما تمّ إدماج المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر مع دار الكتب والوثائق القومية.
• مشروع الألف كتاب الذي أنشأ في سنة 1955 لتشجيع الترجمة، وهو الآن في آخر الألف الثاني وقد غطى المشروع إلى غاية الآن جوانب هامة من الناحية الموضوعية، بحيث أغنى المكتبة العربية بمراجع كانت في أمس الحاجة إليها.
وهذا ما جعل مصر تتبوأ المكانة الأولى بين الدول العربية بحجم إصدارات بلغ سنة 2000 أزيد من 9022 كتاباً.
بينما صناعة الكتب في الجزائر تعيش حالة من التشتت والضياع، في جو زاده تراجع دور الهيئات الثقافية تشتتا وعزلة، بينما رهنت التظاهرات الثقافية آليات النشر في أيدي بعض الناشرين الذين عمدوا إلى إعادة طباعة بعض المؤلفات دون ضوابط ولا احترام للقارئ أو المؤلف فضلا عن المحاولات المرتجلة التي زادت من أزمة الكتاب.
ناهيك عن غياب الفضاءات الثقافية التي تلقح الأفكار وتعمقها وهذا الغياب يشمل الفضاءات المادية كما يشمل الفضاءات الإعلامية، إضافة إلى عزلة الجامعة المنوط بها دور مهم في ضخ المادة العلمية لسوق الكتاب اذ أن دورها في الآونة الأخيرة اقتصر على رسائل جامعية تفتقد للعمق وعلى ملتقيات اصطبغ تنظيمها بالجانب الأكاديمي.
رحلة دور النشر للوصول الى القارئ
لا تقتصر أزمة الكتاب في الجزائر على الانتاج التى تبدأ بصراع دور النشر مع تحديات غلاء مكونات الصنعة كالورق والحبر وعتاد صيانة الماكينات، بالإضافة إلى الضرائب المجحفة مرورا بمشكل التوزيع عبر المكتبات ونقاط البيع مما يحرم القسم الأكبر من الجزائريين من وصول الكتاب إليهم، وصولا إلى القارئ الجاد الذي يقتني الكتاب بحرص، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ رابح محمودي المدير العام لمؤسسة قرطبة للنشر والتوزيع صناعة الكتاب تتطلب مستهلكا من نوع خاص وهو القارئ ولا يمكننا الحديث عن صناعة الكتاب عند قراء لم تعد الثقافة شيئا ضروريا في حياتهم فالشخض الذي ينفق على هاتفه النقال 1000 دج شهريا ولا ينفق نصف المبلغ على تنمية فكره وعقله في أمس الحاجة إلى دراسة سوسيونفسية !!
وهذا ما يؤكد ما جاء في تقرير التنمية البشرية الذي نشرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونيسكو» سنة 2003 أن المواطن العربي يقرأ في السنة أقل من كتاب بكثير، فكل 80 شخصاً عربياً يقرأون كتاباً واحداً في السنة وجاء في تقرير التنمية الثقافية للعام 2011 الصادر عن مؤسسة الفكرالعربي أن العربي يقرأ كمعدل عام 6 دقائق سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي 200 ساعة سنوياً.
إن الكثير من دور النشر التي تعد همزة الوصل بين المؤلف والقارئ أصبحت تصارع من أجل البقاء في سوق لا تدر ربحا وفيرا مع تزايد الدخلاء على هذا المجال ممن لا يراعون أبجديات المهنة والمنافسة الشريفة.
كما تشتكي العدد من دور النشر من مشكلة بيروقراطية تحول دون تصدير الناشر الجزائري للكتاب لأن وزارة التجارة تجبره على تحويل سجله التجاري الى سجل استيراد وتصدير وهذا خلافا لما هو معمول به في باقي الدول العربية كمصر ولبنان وسوريا والمغرب … الخ.
وفي ظل هذا الواقع المتشابك بالصعاب والتحديات وضعف أداء الاقتصادي الوطني لا يمكن لصناعة الكتاب أن تكون بمعزل وتصنع الاستثناء كما تشير الى ذلك خولة حواسنية مديرة دار ايكوزيوم آفولاي.
سيلا 24 .. زوار أقل
سجل المعرض الدولي للكتاب سيلا 24 الذي يعد أبرز حدث ثقافي في الجزائر انخفاضا نسبيا في عدد دور النشر العارضة وتراجع كبير في عدد الزوار،حيث تخلفت العديد من دور النشر العربية و الأجنبية عن المشاركة في المعرض الذي أقيم السنة الماضية كما تراجع عدد الزوار الذين بلغ عددهم زهاء مليون و150 ألف زائر، بعدما تخطى العام الماضي عتبة مليوني زائر، وان كانت للأحداث السياسية التي شهدتها البلاد عقب انطلاق الحراك الشعبي في 22 فيفري تأثير سلبي على مشاركة دور النشر غير الجزائرية، فان ضعف القدرة الشرائية كثيرا ما يفسر لدى المتابعين تراجع الاقبال على معارض الكتاب في الجزائر.
دور نشر أم ” دكاكين ” نشر !!
لقد فتح الروائي الحائز على جائزة كتارا للرواية العربية الحبيب السايح النارعلى ملاك دور النشر الجزائرية واصفا اليهم بأصحاب دكاكين النشرلأنهم أفسدوا الذوق والقراءة والكتابة باصطياد شباب صنعتهم مواقع التواصل الاجتماعي بأنهم فعلا كتاب !! ولم يخف “كولونيل الزبربر” امتعاضه من رداءة الكتب المنشورة مؤخرا.
ان غياب ضوابط صارمة ولجان قراءة محكمة لدى بعض دور النشر جعلها تستسهل طباعة الكتاب لأشخاص لا يمتلكون الكفاءة والمقدرة على اقتحام الكتابة .. فإذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأ إذن؟ كما يقول فرانس كافكا وإذا كان الكتاب لا يحمل قيمة مضافة فما الفائدة من طباعتة ونشره وتوزيعه.
واذا كانت دار النشر عاجزة عن تسويق عناوين طبعت منها 500 نسخة في دولة بها حوالي أربعمائة مليون ناطق باللغة العربية فإنها تفقد مبرر وجودها في مجال صناعة الكتاب وهذا ما يجعل الكاتب عبد الرزاق بوكبة يصرح بأن الكتاب الذي يُطبع في الجزائر يبقى في حكم المخطوط.










