تعرف المناطق الجنوبية من الجزائر زحفا مستمرا للرمال الصحراوية بحيث بدأ الغطاء النباتي في الانحلال بسبب قلة الأمطار و جفاف العشريتين الأخيرتين الى جانب ضعف المعدل السنوي لتساقط الأمطار الذي يبلغ 150 ملم في السنة.
اشتقت كلمة التصحر من الصحراء و الصحراء اقليم بيومناخي تكون بعد انتهاء العصر المطير و حلول العصر الجاف أي انه تكون من منذ خمسين ألف سنة مضت و الاقليم الصحراوي يتفاوت ما بين الصحراء الحارة و المعتدلة و الباردة فالصحراء الكبرى هي نوع من الصحاري الحارة الجافة في حين نجد أن بادية الشام من الصحاري المعتدلة الجافة .
و تعرف ظاهرة التصحر على أنها انخفاض أو تدهور قدرة الانتاج البيولوجي للأرض مما يقضي في النهاية الى تدهور خصوبة أراضي منتجة سواء كانت مراعي أو مزارع تعتمد على الري المطري أو مزارع مروية بان تصبح اقل انتاجية الى حد كبير او ربما تفقد خصوبتها كليا لكن مهما يكن شكلها فان المرحلة النهائية ستكون الصحراء التامة مع انتاجية حيوية تصل الى الصفر، لذلك فان التصحر يؤدي الى انخفاض انتاج الحياة النباتية و قد بلغ مجموع المساحات المتصحرة في العالم حوالي 46 مليون كلم مربع يخص الوطن العربي منها حوالي 13 مليون كلم مربع أي حوالي 28 بالمائة من جملة المناطق المتصحرة في العالم وفي الجزائر تحديدا فقد بلغت 1.5 مليون كلم مربع اي ما يعادل 60 بالمائة من المساحة الاجمالية.
تعود مبدئيا ظاهرة التصحر الى الموقع الفلكي للمجالات القارية الواسعة حيث يختل التوازن بين حرارة الاسطاع الشمسي و الرطوبة، كما يعد الاختلال في التوازن البيئي الطبيعي و البشري من أهم مسببات التصحر و تلعب الطبيعة دورا مهما في وقوع هذه الظاهرة، فافتقار الغطاء النباتي يقلل من التبخر و بالتالي يقلل من هطول الامطار كما أنه يعرض التربة الى الانجراف و يقلل من خصوبتها و هذا التناقص في كميات الأمطار يتعاقب عليه الجفاف، الذي هو من أهم الأسباب الطبيعية لتنامي هذه الظاهرة أيضا انجراف التربة بفعل الرياح و السهول و نقلها من مواضعها الى مواضع أخرى و زحف الكثبان الرملية.
و انطلاقا من هنا تتدخل يد الانسان لتجعل لمشكلة التصحر اسبابا بشرية أكثر منها طبيعية فالضغط السكاني على البيئة و تعدي الانسان على النباتات باجتثاثه لها و التعدي على الأراضي بتحويلها الى منشآت سكنية و صناعية و غيرها .
كما يعتمد بعض الفلاحين أساليب خاطئة في استخدام الأراضي الزراعية منها ما يتعلق بأعداد الأرض للزراعة كالحراثة العميقة و الخاطئة و أساليب تتعلق بالممارسات الزراعية نفسها كالري و الصرف و التسميد و الحصاد بالإضافة الى الاستغلال السيء للموارد الطبيعية و الذي يتمثل في استنزاف الموارد الجوفية و التربة يعرضهما للتملح و تدهور نوعيتها و الملوحة او التمليح نوع من التصحر، و أيضا الرعي الجائر و غير المنظم بسبب ازالة الغطاء النباتي و بالتالي تتهيأ الفرصة للزحف الصحراوي .
كشفت الحصيلة الأخيرة لمحافظة الغابات بالنعامة أن عملية مكافحة التصحر خلال الخمس سنوات الاخيرة قد تركزت خاصة على انجاز اشرطة خضراء و تثبيت الكثبان الرملية على مساحة فاقت 500 هكتار بلغت بها نسبة الأشغال اكثر من 60 في المائة و تتوزع هذه الأحزمة الخضراء على ثلاث مناطق الولاية هي : المشرية النعامة و عين الصفراء باستعمال نوعين من الشجيرات الملائمة لخصوصية البيئة و مناخها فضلا عن أشجار البطم و الصنوبر الحلبي .
و تؤكد نفس المصالح أن نسبة 60 في المائة قد تحققت بصفة فعلية و أعطت نتائج مشجعة في أشغال انجاز مصدات الرياح على مساحة فاقت 700 هكتار طولي عبر المستثمرات الفلاحية التي استعمل فيها نوع الكازوينا بصفة خاصة.
وحسب الدراسات المعدة في برنامج مكافحة التصحر بولاية النعامة تشير الأرقام أن نسبة 42 في المائة من المناطق السهبية ذات بنية هشة و قابلة للتصحر بل تعرف وضعية بيئية متدهورة الأمر الذي يستدعي بذل مزيد من الجهود لتوفير العناية الكافية لمشاريع الاستصلاح الغابي.
و بولاية سطيف فان أكثر من 120ألف هكتار من الأراضي الزراعية بالولاية اصبحت مهددة بالتصحر كما تشهد المناصق السهبية في ولاية سعيدة حالة متقدمة من التدهور حيث يعمد عدد كبير من رؤساء البلديات الى تأجير الأراضي المشجرة للموالين النازحين بحثا عن الكلأ.
و للحد من هذه الظاهرة يعتبر مشروع السد الأخضر من أكبر المشاريع في عهد الرئيس السابق هواري بومدين، كان الهدف منه اقامة شريط نباتي من الأشجار من الشرق الى الغرب قصد فصل الصحراء عن الشمال ووقف ظاهرة التصحر و ذلك بطول 1700كلم و على عمق تجاوز في بعض الأحيان 20كلم و كان لهذا السد دور في نشوء 400 قرية نموذجية جديدة و الحد من هجوم الصحراء على المناطق الحضرية .
تجدر الاشارة أنه خلال اليوم العالمي لمكافحة التصحر المصادف ل 17 جوان من كل سنة و ذلك تجسيدا لمبادرة الأمم المتحدة في اطار الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر الذي اختير له هذه السنة شعار : الغذاء – الأعلاف – الألياف و ذلك بحضور اطارات من الوزارات و الهيئات المعنية و الذي أوضح فيه وزير الفلاحة و التنمية الريفية شريف عماري أن المخطط الوطني للتشجير سمح بغرس ما يفوق 11.5 مليون شجرة منذ بداية السنة الجارية على مساحة تزيد عن 23 الف هكتار مشيرا أن العملية متواصلة عبر كل مناطق الوطن بشعار *شجرة لكل مواطن* و أيضا الحد من الانتشار العمراني في المناطق ذات الجدوى الاقتصادية و مقاومة الحراثة الجائرة للتقليل من عوامل التعرية و المحافظة على سمك التربة و استخدام برامج تدريب للحفاظ على الموارد الطبيعية و الاستغلال المستدام لها و تطوير برامج حديثة ملائمة للزراعة .
والجدير بالذكر انه خلال الاجتماع الوزاري المنعقد مؤخرا برئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الذي أمر فيه بإعادة بعث مشروع السد الأخضر كأولوية لوقف زحف الرمال و أشار ايضا الى ضرورة الاهتمام أكثر بالمحيط البيئي لاستعادة الصورة الجمالية لبلادنا و ذلك من خلال نشر تربية بيئية صحيحة في جميع القطاعات و خاصة للأجيال القادمة.










