يجب دمج اللغة الانجليزية بسرعة في جامعاتنا.. وشبابنا يتطلع الى ذلك بكل دينامكية
التحرر من التبعية للمحروقات ممكنة.. والدليل هو النهضة الزراعية في الجنوب
ما تحقق في الزراعة يمكن أن يتحقق في مجالات أخرى
ضرورة التركيز على النجاعة والفعالية في المنظور الاقتصادي
شعوري أن الجزائر مقبلة على نهضة اقتصادية شاملة إذا توفرت بعض الشروط التحفيزية
فتح الأستاذ رياض حاوي مدير التسويق بشركة آسيا العالمية للمنتوجات الفلاحية أبوابه لـ : “التنمية” لإجراء حوار صحفي يكون نافذة لقراء الجريدة للاطلاع على مسار الأستاذ التعليمي والمهني والتعرف على رؤيته المستقبلية للنهوض لواقع النخبة الجزائرية بما يمكنها من أداء رسالتها وأخذ دورها الطلائعي في خدمة الوطن.
الأستاذ رياض حاوي إطار من إطارات الجزائر في ماليزيا وأحد أبنائها البررة الذين يحملون هم الإقلاع الاقتصادي والحضاري في بلادنا الحبيبة وقامة علمية شهد لها الجميع بالتمكن في مجال تخصصه بمسيرة حافلة شارك خلالها في العديد من المتلقيات الدولية داخل الوطن وخارجه وكانت له مساهمات اعلامية عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي أو في قناة ” الأنيس ” عقب الحراك الشعبي المبارك لتشيد الجزائر الجديدة.
حاوره / عبد الغفور ديدي
كيف يقدم الأستاذ رياض حاوي نفسه للقارئ؟
هذا أصعب سؤال دائما، ولا أعرف كيف أبدأ الإجابة عليه، ولدت بورقلة وعشت فترة عند جدي وجدتي بقمار في ولاية الوادي في حوش الناسة أو النصب، عشت طفولة عادية لا شيء يميزها عن بقية أطفال ذلك الجيل الى أن حصلت على البكالوريا سنة 1988 حيث التحقت بالجامعة، وكانت تلك السنة مميزة بأحداث أكتوبر، وقد انفتح وعي على تحولات الدولة والمجتمع.. كنت محظوظا ربما لأنني عشت ذلك الفاصل الديمقراطي الديناميكي حيث الحراك الاجتماعي والسياسي يسير بسرعة قصوى.. وقد سرع في وعي جيلي وادراكنا للتحديات التي تواجه مجتمعنا.. وأصبح سؤال الشرعية السياسية وسؤال التطور والتنمية والحضارة غالب على انشغالات ذلك الجيل.. وكيف نخرج من مشاكل التخلف والبطالة.. مع سؤال كيف نرجع للجزائر مكانتها كدولة رائدة قادرة على قيادة العالم الثالث.. بعد الجامعة قررت الهجرة فذهبت الى ماليزيا.. في ماليزيا كان التحدي مضاعفا.. كيف تبدأ في الاندماج في سوق العمل بدون لغة حيث اللغة الانجليزية هي لغة العمل؟ صارعت التحديات بين صعود ونزول.. اخفاق ونجاح.. سرور وخيبة.. وبتوفيق الله ورحمته تدرج بي سلم الخبرة المتراكمة، إلى أن أصبحت مديرا لمشاريع دولية واشتغلت ممثلا لاحدى الشركات في فروعها في مدغشقر والكونجو الديمقراطي والسينغال لتوسيع نشاطها التجاري.. وحاليا أشتغل في شركة متعددة الانتماء بين سنغافورة وماليزيا واندونسيا والولايات المتحدة وغيرها.
لا خلاف عند الجميع أن العالم العربي يعيش حالة تخلف
مقارنة مع نظرائه في العالم هل ترى نهاية قريبة لهذا
التخلف؟ وما هي معوقات نهضته؟
العالم العربي خصوصا والاسلامي عموما ودول العالم السائرة في طريق النمو بشكل أوسع تعاني من نفس المشكلات هناك ثلاث حواجز تعرقل النهضة وتعيق التنمية حاجز الإشكالية السياسية وقضايا الشرعية.. حاجز الحريات المدنية.. وحاجز النموذج الاقتصادي الذي يسمح لنا باختصار المسافات واكتشاف الطرق الناجحة في التاريخ..
هل الخروج من التخلف مستحيل.. لا أبدا.. والدليل هو النماذج التي تشبهنا ولديها تاريخ مقارب لتاريخنا وبعضها عاش فترة استعمار أطول من تلك التي عشناها نحن.. وهاهي تخطو خطوات متسارعة لتحسين وضعها العام تدريجيا ولكن بمنحنى تصاعدي وخطوات ثابتة.. ورئيس سنغافورة السابق له كتاب مميز ويجب أن يقرأه كل مهتم بتحديات التطور والتنمية.. “سنغافورة من العالم الثالث الى العالم الأول”.. الكتاب ليس تنظيرا في فراغ.. بل يحكي عن تجربة ميدانية حقيقية لدولة صغيرة على هامش التاريخ والجغرافيا.. ولكن امتلكت قيادة رائدة استطاعت أن تشكل نموذجا نهضويا وأصبحت ملهمة لدول اخرى..
هل أصبح الفكر العربي قادرا على
تشييد نسق حضاري خاص به؟
ابن خلدون طرح اشكالية صعود وافول الدول، وآدم سميث طرح اشكالية ثروة الأمم.. ومالك بن نبي أعاد سؤال الحضارة.. وطرحه توينبي أيضا وحديثا طرحه بول كيندي في كتابه صعود وأفول القوى العظمى.. وهناك عشرات الكتب منها كتاب لماذا يحكم الغرب الآن؟ للكاتب أيان موريس.. الملاحظة المباشرة معظم هذه الجهود العلمية تركز على البعد الثقافي باستثناء بول كندي الذي يطرح خطورة التوسع في الانفاق العسكري فيؤدي الى انتكاس التوازن المالي للدولة العظمى فتأفل.. لكن عموما المسألة الثقافية أو مشكلة الثقافة كما عنون مالك بن نبي أحد كتبه هي المحور الذي يدور حوله كل النسق الحضاري.. وعالمنا العربي يملك من المقومات التي تجعله قادر على لعب دوره والمساهمة في النهضة الحضارية العالمية التي تتجابذها أقطاب جديدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.. وبقينا نحن في الوسط نعاني من عوامل التخلف.. ومعيقات الانطلاق..
العالم العربي يهيكل نفسه لدخول مضمار التاريخ.. والمثقفين يبذلون جهدا مضاعفا لحث مجتمعاتهم للنهوض..
ما هو دور المثقف في خضم التحولات
الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة العربية؟
بالنسبة لي لحظة البوعزيزي هي لحظة دفعت بسؤال الشرعية السياسية الى مداه الاقصى.. وهذه اللحظة أربكت النسيج الدولي.. العقبة السياسية وجدار التخلف السياسي يعيق المجتمع عن الانطلاق.. حاولت المجتمعات العربية عبر نخبها الحية استغلال لحظة البوعزيزي والزخم الذي رافقها لاحداث ثقب في جدار العقبة السياسية.. والمثقف يساهم في انضاج الشروط الموضوعية لتفكيك الاستبداد وتوفير شروط تحقيق الرفاه الاقتصادي وانجاز الاقلاع الحضاري المنشود.
تعتبر الجامعة حجز الزاوية في كل نهضة علمية واقتصادية
هل من مقاربة لواقع التدريس الجامعي الذي يتذيل الترتيب
العالمي رغم الأغلفة المالية المرصودة له من قبل الدولة؟
عندما نرى ميزانية الدولة سنلاحظ أن مخصصات التعليم عالية جدا هي الثانية بعد الدفاع والداخلية كلاهما يستهلك 35% بينما التربية والتعليم العالي والتكوين المهني يستهلك 25% من الميزانية وهي نسبة عالية جدا.. بميزانية مشتركة تصل الى 10 مليار دولار سنويا..
مهما انتقدنا وضعنا السياسي والاقتصادي ستبقى نقطة التعليم والتكوين هي النقطة المشرفة في المسار.. فالنموذج الجزائري جعل ملايين الجزائريين يلتحقون بمقاعد الدراسة.. فتعميم التعليم كهدف لدولة الاستقلال لا أحد يستطيع أن يشكك فيه وقد تحقق الى حد بعيد ويصعب أن تجد جزائري عاجز عن الالتحاق بمقاعد المدرسة. لكننا اليوم نواجه استحقاقا جديدا وهو تحسين نوعية التعليم وتطوير المخرجات حتى تساهم في الاقلاع الحضاري المنشود وتكون رافدا في مسار التنمية المستدامة.
ولو تحدثنا عن نظام اصلاح ستكون أولوياتنا هي ثلاث معايير يجب أن نحققها:
معيار الكفاءة الأكاديمية: تحسين مخرجات الطلاب والمؤطرين
معيار الاستجابة لاحتياجات المحيط والاندماج في دورة الاقتصاد
معيار المساهمة في المنجز العلمي العالمي
وحتى يتحقق ذلك يجب أن يرافقه اصلاح اداري بحيث يتم اعطاء صلاحيات لادارة الجامعات في استقطاب الكفاءات العلمية والتنافس على الاساتذة الاكفاء.. وتقديم رواتب تحفيزية بحسب قوة حضور الاستاذ.. فينشأ التنافس في الأداء الحسن.. في مستوى آخر قد نصل الى اعطاء صلاحية للجامعات لاختيار طلابها فينشأ تنافس بين الجامعات في استقطاب الطلاب الجيديين.. وينشأ تنافس بين الطلاب في الذهاب لجامعات بعينها نظرا لقوة أدائها العلمي وقوة التكوين فيها.. وربما يمكننا أن نضع تقييم للجامعات محليا، بين نجمة وخمسة نجوم وبدون نجمة..
هناك مشكلة حقيقية تعاني منها الجامعات الجزائرية وهي دور المنظمات الطلابية.. هل دور المنظمة الطلابية هو تعزيز مناخ المعرفة والعلم؟ أم دور مطلبي نقابي مثل النقابات العمالية الموروث من ثقافة اليسار الفرنسية.. هذه القضية ترهق طاقم التدريس وادارة الجامعة وترهق حركة نمو وتطور الجامعات وتفسد المناخ العام.. هل نسمح لطالب في عمره 17 سنة او 20 سنة في بداية مشواره الاكاديمي كي يقود اضرابا طلابيا بسبب قضايا بيداغوجية او اختلافه مع برنامج التدريس؟ ما هي الكفاءة العلمية التي يملكها حتى يتدخل في هذا المجال.. هذه الثقافة يجب أن تراجع..
ثم لا ننسى لغة التدريس.. بقاءنا في فضاء اللغة الفرنسية ضيع علينا فرص اختصار مسارات التاريخ العلمي ومسارات البحث العلمي.. يجب أن ندمج اللغة الانجليزية بسرعة في جامعاتنا.. وشبابنا يتطلع الى ذلك بكل دينامكية..
هذه بعض القضايا الحيوية.. لكن المسألة أولا وقبل كل شيء تتعلق بالمنظومة الاقتصادية والسياسية ونظامنا الاجتماعي.. والجامعة جزء من هذه المنظومة.
هل تتوقع خروج آمن للاقتصاد الجزائري من التبعية للمحروقات
في ظل غياب بنية تحتية عالية الجودة وانعدام للإدارة الرقمية ؟
من الناحية الاقتصادية والتنموية الجزائر أرض عذراء اقتصاديا.. أي مجال تمسكه يمكن أن يحقق نسبة نمو أعلى من الصين وأعلى من ماليزيا وأعلى من تركيا.. ولو ندخل دورة حقيقية في اقتصاد حقيقي لا تقل نسبة النمو عن 8% كحد أدنى وربما تصل الى 12% أو أكثر.. للأسف لا زال النموذج الاقتصادي ريعي مرتبط بالنفط.. ما يحز في النفس أن مداخيلنا من العملة الصعبة لا تزال تعتمد 98% على مداخيل النفط.. وتشكل الجباية النفطية 41% من مداخيل الميزانية العمومية..
تقريبا استقر في وجدان الجزائري أنه لا فكاك من الاعتماد على النفط.. لكن تجربة اخواننا وابنائنا في الجنوب في الزراعة الصحراوية بينت أن ذلك ليس صحيحا.. ولعبت ولاية الوادي دورا أساسيا في كسر هذا الوهم من عقول المواطن الجزائري.. فجأة أصبحنا نتمتع بمنتجات تحقق نوعا من الاكتفاء وبأسعار في متناول كل فئات المجتمع..
بجهود ذاتية بسيطة ولكن ارادة صلبة تحققت معجزة اقتصادية في أصعب بقعة في الجزائر.. الآن لا نحكي من فراغ أمامنا تجربة صنعها ابناؤنا واخواننا بسواعدهم..
اذن التحرر من التبعية للمحروقات ممكنة.. والدليل هو النهضة الزراعية في الجنوب وفي باقي ربوع الوطن.. وما صدق في النهضة الزراعية يصدق في كل المجالات الأخرى..
كل شروط النجاح متوفرة… أسواق في عمقنا الافريقي.. مجتمع شاب وديناميكي نسبة الاستهلاك فيه عالية جدا وليس مجتمع شيوخ وكبار سن.. انخفاض تكلفة التصنيع بشكل كبير جدا في كل المجالات بسبب عامل التكنولوجيا.. مصنع كان يكلف في ماليزيا قبل 10 سنوات 30 مليون دولار هو اليوم بنصف المبلغ او ثلثه وبفعالية أفضل وتكلفة تشغيل أقل.. هكذا تطورت اليابان وهكذا تطورت كوريا وهكذا تطورت الصين وماليزيا..
يعد النموذج الماليزي في الجانب الاقتصادي من التجارب الملهمة
لدول العالم الثالث ما السبيل للاستفادة منه في تقديرك؟
حقيقة النموذج الماليزي يعطيك أملا وثقة بالنفس.. فهم يشبهوننا في كثير من الأشياء.. ومع ذلك حققوا نتائجا طيبة.. ماليزيا، اليابان كوريا تايوان وسنغافورة هونكونغ أندونيسيا وأخيرا الفيتنام وتايلاندا والهند وفي منطقتنا هناك تركيا التي حققت قفزات في سنوات معدودة.. كلها انطلقت في مسار النمو بخطى متسارعة.. البعض يسألني هل اتبعوا النموذج الغربي أم الشرقي الرأسمالي أم الاشتراكي أو الشيوعي، الحقيقة هناك منطق جديد.. منطق النجاعة والفعالية الاقتصادية..
في ماليزيا عندما كان الجدل الايديولجي يجتاح العالم بين الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية طلع مهاتير باطروحته الشهير “انظر شرقا”.. والأطروحة بسيطة جدا.. لماذا يجب أن ننظر للغرب ونتبع نموذجه.. هذه اليابان من آسيا استطاعت أن تحقق نتائجا باهرة لماذا لا نتبع خطاها.. ونقلدها فيما أحسنت.. ولذلك انفتحت ماليزيا على اليابان شجعوهم على الاستثمار في ماليزيا وارسلوا البعثات العلمية للجامعات اليابانية..
واذا كان هناك شيء يمكن استخلاصه من النموذج الماليزي خصوصا والأسيوي عموما هو ضرورة التركيز على النجاعة والفعالية في المنظور الاقتصادي.
كلمة أخيرة لقراء الجريدة؟
الإمكان الحضاري في الجزائر متوفر بشكل كبير.. وشورط الانطلاق والنهضة التنموية كامنة تحتاج الى تفعيل.. ومعجزة الزراعة الصحراوية هي انطلاقة في الاتجاه الصحيح.. يجب أن يتعزز ذلك بالعلم والمعرفة وما تحقق في الزراعة يمكن أن يتحقق في مجالات أخرى.. شعوري أن الجزائر مقبلة على نهضة اقتصادية شاملة اذا توفرت بعض الشروط التحفيزية ومنها اصلاح سياسي ومؤسساتي واقتصادي شامل يكون أحد الحوافز لتحقيق النهوض المنشود.










