• أحد رجالات الفكر البارزين وأعلام الإصلاح الاجتماعي والديني في الجزائر
• سجل حافل بالإنجازات العلمية والفكرية والثقافية
ببلدة قمار بولاية الوادي من عام 1930، ولد أبو القاسم سعد الله، وحفظ القرآن الكريم مبكرا، انتقل الى جامعة الزيتونة عام 1947، بدأ النشر في صحيفة “البصائر” التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والكتابة الشعرية، وكان أول شاعر جزائري انخرط في قصيدة التفعيلة مسايرة لموجة التجديد في المشرق العربي.
تنبأ أبو القاسم سعد الله فيها بأن أمرا ما سيحدث في الجزائر وأن شرارة ماء ستحدث أكبر لهيب في تاريخ الشعوب المضطهدة.
رحلة علم
بعد الزيتونة انتقل الى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاهرة، وفي تلك الفترة حضر الإعلان عن تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عام 1958، وبعدها تحصل على شهادة الماجستير.
غداة الاستقلال توجه الى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر باللغة الإنجليزية، من جامعة مينسوتا الأميركية، ليكون بذلك أول دكتور جزائري في التاريخ، لأن أبو القاسم سعد الله يردد دائما “نحن نعرف صناعة التاريخ ولكن لا نعرف كيف نكتب عنه”.
عام 1967 عاد إلى أرض الوطن، وشرع في التدريس بجامعة الجزائر، وكان له الفضل في تكوين جيل كبير من المؤرخين، وفي الوقت نفسه كان يؤرخ لمختلف الحقب الزمنية.
رصيد ثري ومؤلفات في الأدب والتاريخ
أبو القاسم سعد الله هو صاحب موسوعة “تاريخ الجزائر الثقافي” من 1500 الى 1962 الصادرة في شكل 09 مجلدات، أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر، الحركة الوطنية الجزائرية، محاضرات وأبحاث في تاريخ العربي الإسلامي، ديوان الزمن الأخضر، دراسات ومؤلفات لا يمكن سردها في أسطر.
أبو القاسم سعد الله قضى 12 سنة بالمركز الوطني للدراسات والأبحاث في التاريخ الحركة الوطنية وثورة التحرير وكان لا يضيع فرصة ولا دقيقة من حياته إلا وسخرها للبحث والكتابة التاريخية.
كان يسابق الزمن من أجل أن يكتب سلسلة موسوعة تاريخ الجزائر الثقافي عبر العصور، كان رجلا لا يعرف الراحة الا للسؤال عن المعلومة، للبحث عن الكتاب، ترجمة مقال، تقديم نصيحة لطالب لأنه يقول دائما “أنا لم أخلق إلا لأكون كاتبا في التاريخ”.
كما كان للفقيد إسهامات في العديد من الصحف والمجلات الوطنية والأجنبية كالشعب، المجاهد الثقافي، المجاهد الأسبوعي، المساء، مجلة “الآداب”، مجلة الدراسات التاريخية، مجلة الإنسان (باريس، البصائر، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، إضافة إلى مجلة الجيش، مجلة المجلس الأعلى للغة العربية، مجلة البيان، مجلة الثقافة ومجلة سيرتا.
ولا تسع هذه السطور أن تفي الدكتور حقه من التبجيل والعرفان، لأنّ سيرته الأكاديمية ثرية بالأعمال والمواقف التي تزيده مكانة علمية وإنسانية وتجعل منه موسوعة قائمة بذاتها تستحق الدراسة بتأني لنستوفيها حق قدرها وتكون مرجعا لكلّ مهتم بالتاريخ والأدب وعبرة لكلّ طالب للعلم لا تغويه ماديات الحياة لأنّ المثابرة والتواضع كانتا الركيزة التي عاش بها ولها الأستاذ الدكتور.
• عاش صوفيّا في محراب البحث العلمي إلى وفاته يوم 14 ديسمبر 2013، تاركا وراءه كنزا معرفيّا بلغ المطبوع منه 54 مجلدا، توزعت بين اللغة والنقد الأدبي والشعر والتاريخ والتراجم والتحقيقات، تربّع بها على عرش المؤرخين الجزائريين.
وداعا دكتور
ق.سامي
التجاني تامة مدير المكتب الرئيسية للمطالعة العمومية بالوادي
أبو القاسم سعد الله مشروع ثقافي و حضاري متصل في أعماق هذا الوطن و قيمه و مبادئه
يعد أبو القاسم سعد الله أحد أهم الشخصيات العلمية و الفكرية التي عرفتها الأمة في العصر الحديث و سيبقى واحد من أهم الرموز التي تفتخر بها الوادي و الجزائر لما خلفه من ارث فكري و بحثي لم يسبقه إليه احد، حيث أسس لمدرسة في التاريخ سترسم الملامح الأساسية للواجهة التاريخية و الثقافية و الحضارية لوطننا و لمنطقة المغرب العربي الاسلامي.
فأبحاثه التاريخية قطعت الطريق أمام الكثير من الإتجاهات المغرضة التي أرادت أن تسلخ الجزائر من جذورها و تحولها إلى مسخ بدون ماضي و لا تاريخ، حتى يسهل العبث بثقافتها و بقيمها و مبادئها و أسسها الحضارية، بل أن إرثه العلمي قد أسهم بشكل كبير في أن يقدم التاريخ الجزائري خاصة كواحد من أهم عناصر الوحدة الوطنية في مواجهة عقليات التشرذم و التفتيت التي أوغل فيها البعض و ارتهن إليها بحكم ارتباطها بثقافات غريبة.
و لهذا فإن أبو القاسم سعد الله لم يكن مجرد مؤرخ فقط و لكنه كان مشروعا ثقافيا و حضاريا متصل في أعماق هذا الوطن و قيمه و مبادئه، مما يوجب علينا أن نقف عند هذا الرجل وقفة طويلة ملؤها التأمل و التدبر.
الدكتور علي غنابزية أستاذ التاريخ بجامعة الوادي
أبو القاسم سعد الله وتواضع العلماء الأصلاء
ارتبطت حياة شيخ المؤرخين الدكتور المرحوم أبو القاسم سعد الله بالقيم والمبادي النبيلة، مع تحليه بالأخلاق الكريمة.
تلك هي الروح التي منحت حياته العامة واعماله وكتاباته قيمة جليلة القدر، دائمة الذكر.
ولعل خلق التواضع والبساطة، قد اضفى على شخصيته هالة من السمو والتميز، وهذا يذكرنا بتواضع العلماء الاصلاء، وابتعادهم عن الشهرة الزائفة، وكل اشكال التملق للسلطة، بل الابتعاد عن اضوائها، ومجاهدة نفسه، وتجاوز كثير من الحرج والعنت، من اجل تحقيق هذه المنقبة في سيرته الخالدة.
وبقي الدكتور أبو القاسم سعد الله صامدا إلى يوم وفاته، كالطود الأشم، واختار أن يدفن في مقبرة قمار بين اهله وذويه، ليثب مرة أخرى هذا الخلق، وكانت وصيته أن تشيع جنازته دون أي بروتوكولات رسمية، وبعيدا عن تدخل السلطة، وحققت عائلته تلك الأمنية.
وحينئذ سعدت بلدته بجثمانه الطاهر، لأن محبته لها كانت متواصلة في حياته، فكان يرعاها بالزيارات المستمرة، ولم يتنكر اليها في الكتابة عن تاريخها، وتسجيل مآثرها، وبعث تاريخ علماها وسادتها، وجسد بذلك قيمة المحبة والوفاء.
الدكتور محمد ماني أستاذ بجامعة الوادي
أبو القاسم سعد الله أنجز موسوعات تروي تاريخ هذا الشعب بنظرة تتطلع لمستقبل واعد
خلف أبو القاسم سعد الله رصيدا علميا قدر كما بستة وخمسون كتابا جاءت تحت أربعين عنوانا، فماذا عن نوعية هذه الكتابات وما هي أهدافها ولمن وجهها حين خطها، إن الدارس لتراثه يدرك أنه كتب أيام شبابه في الأدب مقالات عديدة نشرها في صحف عربية مختلفة وقد قام معية بعض الطلبة في الزيتونة بإنشاء رابطة القلم الجديد التي تعتبر أفكارها ثورة للتجديد في الآداب، كان من أوائل كتاب الشعر العمودي خلف ديوانه “الزمن الأخضر” وطرق فن القصة وخلف كتابه “سعفة خضراء” لقب بالناقد الصغير فالشيخ من هذا المنظور كاتب وأديب قاص وشاعر، كل هذه الأعمال نراها موجهة للعامة لأخذ العبرة ولتنمية مواهب الناشئة أما المختصون فيدرك البعد العلمي والإبداعي لتلك الأعمال.
ثم نرى أنه حط رحله في علم التاريخ إن الشاب الأديب لما تغرب وقلب بصره في المكاتب أدرك أن الجزائر ظلم تاريخها من أهلها وأعدائها ومن ذوي القرب فسعد الله الذي قرئ تاريخ ابن أبي الضياف التونسي وتاريخ دمشق وغيرها من الموسوعات تحرق أسفا إذ لم يجد موسوعة تقص لأبنائنا وللآخر تاريخنا تروي تفاصيله وتتحدث عن إنجازاتنا الحضارية، وبالمقابل وجد أنه ما كتب عن الجزائر إلا أعدائها، وقد أدرك الرجل أن لا عزة للشعوب إلا بالرجوع لهويتها وأصالتها، عندها نذر نفسه لكتابة هذا التاريخ فأخذ يجوب العالم بحثا حتى أنجز موسوعات تروي تاريخ هذا الشعب بنظرة تتطلع لمستقبل واعد، إن تلك الكتابات منها ما خرج في كتب ومنها ما بثه في صفحات الجرائد لتعم فائدته ويصل إلى كل الطبقات فيستفاد منه، فرحم الله شيخ المؤرخين.
عبد القادر عزام عوادي أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة الوادي
ترك جميع مغريات الحياة وانشغل بالهم الحضاري الذي يعطي للبلاد مرتبة بين الأمم والشعوب
يصعب جدا الحديث عن الراحل شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله في كلمات قليلة، ولكن أقل ما يقال عن الرجل أنه أحترق ليضيء درب الطريق السليم والنهج القويم لمعرفة حقائق تاريخ بلادنا، وترك لنا مؤلفات وموسوعات ضخمة حول تاريخ الجزائر الثقافي والسياسي والنضالي، وكان بحق شخصية فاعلة داخل مجتمعه وأمته من خلال تلك الملتقيات والندوات والمشاركات الإعلامية إضافة الى ما ذكرناه من تراث عظيم تركه لنا الراحل أبو القاسم سعد الله.
أبو القاسم سعد الله هو مثال للباحث الحقيقي الذي ترك جميع مغريات الحياة وملذات السلطة وانشغل بهم واحد هو الهم الحضاري الذي يعطي للبلاد مرتبة بين الأمم والشعوب، فالأمة التي لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها، ولذلك نجده قد كتب للأجيال القادمة التي ستدرك الحقائق بعيدا عن الأيديولوجيات المقيتة وبعيدا عن الجهوية العفنة وبعيدا عن السياسة الخبيثة.
عانى سعد الله في حياته الكثير من الأزمات سواء المادية أو الصحية أو الاجتماعية وغيرها، ولكن أكبر أزمة أثرت في المرحوم أبو القاسم سعد الله هو ضياع حقيبته التي كانت مليئة بالمخطوطات والقصاصات التي كان يجمعها عبر رحلاته واسفاره ليكمل بها مشروعه الفكري الكبير ولكنه قال في احد مقابلاته الصحفية عن تلك الكارثة العظمى التي وقعت له ووقعت لتاريخ الجزائري ما يلي” فان كان هدف المعتدي على المحفظة هو عرقلتي بعض الوقت فقد نجح، اما ان كان هدفه سحق المشروع فقد خاب” رحمة الله على شيخنا.
المؤرخ الدكتور محمد الأمين بلغيث
مهنة المؤرخ أو مما تعلمته في حياتي …أبو القاسم سعد الله أنموذجا
بعد نجاحنا في مسابقة الدخول إلى نظام الماجستير في شهر نوفمبر 1980م انتظرت وأنا القادم من قسنطينة مع زملائي لأرى شكل المؤرخ الكبير، أبو القاسم سعد الله، وهذا في أول حصة بالخروبة جامعة الجزائر، فلما وصل إلينا قلت لهم: هل هذا هو سعد الله، وبصوت خافت، وكنت أنتظر أن أرى عملاقا في جسده أشبه بالصورة الضخمة التي رسمتها في خيالي قبل وصولي إلى العاصمة، فكان قد سمع ما قلت، فكان رده على الفور وبابتسامة الواثق من نفسه: “تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تره” فقلت على الفور: معاذ الله يا أستاذ.
ويقول: جيرار نوارييل تماما مع تصوري عن “مهنة المؤرخ”، وهي مهنة تستند إلى ركيزتين رئيسيتين الأولى: تكمن في الرفض الدائم للأحكام الجاهزة، والثاني: الدعوة بحرارة إلى “الأخلاق المهنية”، وتتمثل في صدق المؤرخ مع قرائه.
وهذا ما يشكل الدافع لي باعتباري مؤرخا في مجال العصور الوسطى أو كما أتمنى أن أكون بين أبناء هذه الفئة العالمة التي تحرص على الحقيقة وتدافع عن الأبرياء، لأن التاريخ كما هو معروف من خلال مهنة المؤرخ أو من فلسفة الدفاع عن الذاكرة الجماعية: “يدين الأفراد والشعوب والأمم والحكومات والدول، كما ذهب إلى هذا شيخ المؤرخين الجزائريين أبي القاسم سعد الله رحمه الله حينما حقق كتاب الشيخ محمد بن عمر العدواني”.










