تاريخ الجزائر الطويل حافل بالمحطات حيث استطاع أن يستلهم علماء التاريخ و الانتروبولوجيا، و الدليل الأطروحات الأكاديمية التي تناقش بكبار الجامعات و المعاهد و لا يخلو يوم إلا و له قصة أو معركة أو بطولة أو تضحية، و لاستحضار الذكريات زرنا احد المؤرخين و الشاهدين على فضاعة الاستعمار للحديث عن مآثر الثورة و شموليتها و كيف أن جميع أطياف الجزائري شاركت في تحرير البلاد رغم زرع التفرقة و القبلية و الجهوية من طرف الاستعمار و أذنابه، وهو ما سيحدثنا عنه السيد قدار عبد القادر الأستاذ المتقاعد من دائرة عين كرمس بولاية تيارت.
حاوره :عمارة عمر
من هو الأستاذ قدار؟
قدار عبد القادر أستاذ متقاعد من بلدية عين كرمس عايشت الثوار و كنت شاهدا علة بعض المعارك الكبرى بالجهة الجنوبية لولاية تيارت، و أنا الآن عاكف على تسجيل تاريخ المنطقة بالصور و الشهادات و الأماكن ومن أفواه من لا يزالون على قيد الحياة، لكون منطقتنا شاهدة على كفاح المجاهدين و الشهداء.
ماذا يمثل لك الخامس من جويلية؟
الخامس من جويلية شمولية هو عيد الاستقلال، لكن التاريخ الحقيقي للاستقلال عشت كبقية الشعب الجزائري يوم 19 من مارس أي عيد النصر، وقد عشنا نشوة النصر يومه لأننا خرجنا و عبرنا عن فرحتنا و رافقنا المجاهدين و رفعنا الراية الوطنية عاليا و لم ننم ليلتها، رغم أن المنظمة السرية للجيش الفرنسي نغصت علينا نشوة الفرحة بتسليحها لمرتزقة وأعوان و خونة و معمرين بإقناعهم بان فرنسا لهم و لن تخرج من الجزائر حتى وصل الأمر إلى وضع قنابل بلاستيكية بالمدارس، لكن و لحسن الحظ أن المجاهدين كانوا لا يزالون يحتفظون بأسلحتهم و استطاعوا دحض مخطط فرنسا المتعطشة إلى الدماء، و شرع في الاستفتاء و كتبت عبارة نعم للاستقلال لا تزال لم تمح حتى الان بكل من مدريسة و عين كرمس، و للأمانة حتى بعض الفرنسيين الذين رفضوا قرار منظمة الجيش السري الفرنسي انضموا إلى المجاهدين و يبقى الخامس من جويلية سنة 1962 يوم مشهود لن أنساه ما دمت حيا، و أضيف معلومة لا يذكرها الكثير هو تنبؤ قيادات المجاهدين بإحراز الاستقلال قبل شهر من قبول فرنسا المفاوضات و الدليل كانوا يهيئون المعلمين و الممرضين لخلافة الفرنسيين.
ما قصة بقايا الطائرة الحربية التي تتكلم عنها كلما حلت مناسبة وطني؟
قصة الطائرة و التي لا تزال بقاياها موجودة، هذه معركة استشهد من خلالها الشهيد احمد المازوني و أصيب المجاهد الرمز يوسف الخطيب أطال الله في عمره الذي كانت المنطقة تحت أمرته، هذه المعركة التي دامت 48 ساعة متواصلة بين المجاهدين و الجيش الفرنسي و سقط فيها حوالي 60 شهيد بمنطقة القعدة بالقرب من دير الكاف بينما تكبدت فرنسا 200 قتيل، حتى استعملت الأسلحة البيضاء جراء اشتداد المعركة و قد عملت قوة الصليب الأحمر على إجلاء الجرحى من الطرفين، و قصة الطائرة هي استطلاعية كان على متنها عقيد الذي كان ينتظر ترقية إلى رتبة جنرال لكن الثوار أسقطوها و تم القضاء على الجنرال، لكون منطقة القعدة كانت منطقة عبور إلى جبال سعيدة و قروز و منها إلى خط موريس الذي كان يحد من تحرك المجاهدين لكن تم اختراقه، وبعد إسقاط الطائرة الاستطلاعية و إجلاء الجميع ذهبت و شاهدت البقايا بأم عيني رغم صغر سني آنذاك، و أنا أقول للمؤرخين لا يزايدون و لا ينقصون من حقائق الثورة لان التاريخ هو نقل لحقائق فقط لا يتدخل المؤرخ و لا يحلل في الوقائق .
عودة إلى تاريخ الاستقلال الخامس من جويلية المشهود، كيف عشتم ذلك اليوم؟
هذا اليوم لن ينسى فقد أقيمت الحفلات و الزغاريد و التهاني و لم ننم ليلتها حتى أن هناك من قال انه في حلم، وقضينا الليالي بدون نوم، و سهرنا و رددنا شعارات الثورة و الأناشيد الحماسية، و تحرر الجميع من الحضر الذي كانت فرنسا الاستعمارية تفرضه علينا، و بدا التسامح و التنازل عن الضغائن إلا من خان الثورة و الثوار فقد اختفى و لم يشاركنا نشوة الاستقلال و لا سيما أن بعض الذين خدموا الثورة التحريرية و كنا نحسبهم مع الفرنسيين لان قوة الثورة الجزائرية المظفرة كانت في سريتها، كان حتى المجاهد عندما يتم القبض عليه لا يعرف الأسماء الحقيقة لرفاقه مما أضفى السرية في العمل المسلح و السياسي، وهو ما استعصى على فرنسا اختراق المجاهدين أو المناضلين، فعدما يتم القبض على مناضل أو مسبل أو مجاهد يدلي بأسماء يعرفها لكنها ليست الحقيقية، و حتى المسبلين كانوا يمرون على امتحانات للتحقق من نواياهم، فملا يكلف مسبل بتنفيذ عملية فدائية أو قتل فرنسي يعطى له سلاح غير محشو بذخيرة حقيقة حتى يتم التحقق من وفائه للثورة.
وبعد إطلاق النار و الإعلان عن الاستقلال ما جرى؟
طبعا ثقافة الجزائريين لوانين الأمم المتحدة و بنود اتفاقية افيون تنص على عدم التعرض للمعمرين الذين اختار بعضهم البقاء بالجزائر و لم يشاركوا في حمل السلاح ضد المجاهدين، أما البقية فمنهم من بقي حتى قام بجني محصوله الزراعي و لا سيما 5 جويلية كان وقت أو موسم الحصاد ثم غادر بسلام، بينما باشر الجزائريون في ترتيب أمورهم فمثلا تم استدعاء أو دعوة كل من كان بالمدرسة و بلغ السن القانونية للقيام بمهام التدريس،و الممرضين سواء الذين بصفوف المجاهدين أو هكذا لبقية الإدارات، و تم فتح القسمات لسد الفراغات الإدارية و الاستفسارات و منه الانخراط في الحزب للنضال من اجل بناء الجزائر.
ما هي رسالتك للجيل الحالي أو الأجيال المتعاقبة بالنسبة لتاريخ الجزائر؟
أقول للجميع تحروا ما تكتبون عن تاريخ الثورة لأنها أمانة، و اغتنموا بقاء بعض رموز الثورة لتستمعوا من أفواههم لان التاريخ نقل لأحداث و ليس تعبير نرجسي أو فصيح، و لا تزايدوا على الآخرين، و نصيحتي للأكاديميين و الجامعيين لا تكتبوا عبر الهاتف داخل المكاتب بل زوروا المجاهدين و من حضروا الثورة أو سمعوا عنها عن قرب، أما الجيل الحالي فانصحه بان يفتخر بثورته و بثواره لان الثورة الجزائرية كانت و لا تزال عنوانا و مرجعا للجهاد و التحرر و أصبحت تدرس في اكبر الجامعات، و يجب قراءة تاريخ الثورة و تلقينه للأبناء و إضفاء الأولوية في تلقينه و تدريسه في المناهج الدراسية و في الأخير اسمحولي أن أترحم على شهداء الثورة، و الدعاء بالشفاء للمجاهدين و من قدوا أرواحهم فداء للوطن و شكرا لجريدتكم على إتاحة الفرصة لا استذكر بعض الذي كدت أن أنساه.










