لا جدال في أن العلامة عبد الرحمن بن خلدون نسيج فريد من نوعه فقد ألم بمختلف العلوم والفنون وحاز قصب السبق في العلوم الاجتماعية وكانت له اليد الطولى والسابقة الأولى في رسم الخطوط العريضة لعلم الاجتماع، ومع اشتغاله بالسياسة والقضاء والتدريس والترحال بين الأندلس وشمال افريقيا اكتسب رؤية شاملة وفهما واسعا وتحليلا ثاقبا للاجتماع البشري والعمران والذي تجلى في كتابه ذائع الصيت ” العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ” واحتفظت مقدمته بحجة علمية معتبرة عند ذوي الاختصاص اشتهرت ب ” مقدمة ابن خلدون ” وهي أول دراسة تاريخية للانتظام البشري وفقا للأسس العلمية التحليلية .
وفي طريقه لتدوين التاريخ وكتابة مقررات علم الاجتماع بث العديد من الأفكار الاقتصادية المتعلقة بالكسب والمعاش والصنائع وبالأسباب والعلل المتعلقة بالتحصيل وكانت نقطة البدء في نظريته الاقتصادية التركيز على أهمية العمل فقال في ذلك : ” اعلم أن الكسب انما يكون بالسعي في الاقتناء والقصد في التحصيل فلا بد في الرزق من سعي وعمل ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه ” وذم الكسب بدون عمل أو بذل جهد وهو ما يسمى الآن بالريع وأشار الى ذلك بقوله :” اعلم أن كثيرا من ضعفاء العقول في الأمصار يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك انما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من التجارة والفلح والصناعة فيطلبونه بالوجوه المنحرفة وعلى غير المجرى الطبيعي من هذا وأمثاله “.
وتطرق ابن خلدون الى تطور المجتمعات وفقا لأساليب الانتاج المتبعة فيها فيضع في المقام الأول الحياة الحضرية التي تنحاز للصناعة ثم الزراعة ثم البدو وهو لا يبتعد كثيرا عما تؤكده نظريات التنمية بل خصص في مقدمته جزء كبيرا للحديث عن الصناعة تحت عنوان ” في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ” أما في مسألة الضرائب فقد أدلى بدلوه واعتبر أن زيادة الضرائب هو مؤشر على انحلال المجتمع وتدهور الدولة ودعا الى تقليل الأعباء الضريبة على المواطنين لأن ذلك سيكون حافزا لهم على مضاعفة العمل وزيادة الانتاج بل كان من السباقين الى فكرة توسيع الوعاء الضريبي وتقليل قيمة الضريبة لرفع معدلات الحصيلة فيقول في فصل ” في الجباية وسبب نقصها ” ان الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة وأشار الى أن الوزائع والوظائف اذا قلت على المواطنين نشطوا للعمل ورغبوا فيه فيكثر الاعتمار ويتزايد لحصول الاغتباط بقلة المغرم.
نقطة أخرى دندن حولها كثيرا ابن خلدون وهي أن السلطة ليست وسيلة للكسب وحذر من تزاوج المال والسلطة في فصل عقده تحت عنوان ” التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية. ”
لقد أسهب ابن خلدون في الحديث عن مرتكزات الاقتصاد وفهمه برؤية سننية فجاءت أفكاره مركزة في كلمات معدودات ولكنها جامعة مانعة لكثير من المعاني التي يحتاج المرء لوقت لبسطها وجهد في الربط بينها.










