مكانة الفلسفة اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في منظومة الأنساق المعرفية و ضبط المفاهيم
إعادة الثقة لهذا النوع من التفكير بزرع روح النقد و حرية التفكير و ممارسة فعل التفلسف
محبّة للحكمة و العيش الإيجابي، تمتلك شخصيّة فذة، قمة في الأخلاق، تنبض بالحبّ للجميع، ترسم بحروفها على تضاريس البكاء الفرح، إنها الكاتبة أنيسة بوزيان، طلبة جامعية، تخصّص فلسفة، ابنة مدينة معسكر، تكشف في هذا الحوار مدى قدرتها على الانتفاع من معارفها الأدبية والثقافية والفكرية
حاورها / لخضر . بن يوسف
ما الذي تعنيه لك الفلسفة؟
الفلسفة ليست مجرد تخصص لنيل الشهادات، بل هي نشاط تنويري و مشروع لمهاجمة البلاهة و الحماقة كما تعتبر إبداعا مستمرا للمفاهيم، وهي انتصار للعقل في شعب ما .. الفلسفة حفر عميق في الذات الإنسانية، تحيلنا للتنوير الأصيل بتعرية الأقنعة و فضح الأوهام، تجنبنا صدمات الواقع و تحذرنا من الوقوع في قفص المثالية و حلم الكمال، لأن الفيلسوف دائما ما ينكر على نفسه المعرفة المطلقة في حين أن العامي يدعي أنه يعرف كل شيء شبه الفلاسفة القدامى الفلسفة بالطائر الذي ينبعث من رماده رمز الخلود و الحياة بعد الموت، فهي روح العصر، تحدث الفجوات فيما يبدو لنا متصلا، و تخلق الفراغات في ما يظهر لنا ممتلئا و كاملا، تزرع الشك في البديهيات و تجعلنا نفعل بدون أوامر ما يفعله الآخرون خوفا من القانون، فلسفتي حلقت بي من قفص السطحية و المحدودية إلى أفق اليقظة و المغامرة .
ما موقع الفلسفة في الفضاء العمومي الجزائري اليوم؟
قبل أن نشير لموقع الفلسفة في الجزائر اليوم، لا بد أن نشير إلى أن الفلسفة في القديم انطلقت و انبثقت في الفضاء العمومي، فكان مصطلح ديداكتيكوس يشير إلى عبارة : هيا بنا لنتعلم، حيث كانوا يتدارسون أفكارا فلسفية في الشارع و السوق و الأروقة …إلخ، ثم أخد مجالها يضيق شيئا فشيئا و أصبحت معرفة عويصة و معقدة بالنسبة للعامة، و اختصت على نخبة من يفهمها، و أقصد هنا أصحاب العقول الخصبة و النيرة من خلال مخاطبة العقول و البحث عن الحلول في الأعماق، و من خلال قراءة الواقع بدراسة ما ينبغي أن نكون عليه، ثم انتقلت من التدريس في الفضاء العمومي إلى التدريس في المدارس والجامعات و أصبحت ديداكتيكا الفلسفة، تسعى لدراسة طرائق ووضعيات تعليم و تعلم الفلسفة و النظر في مشكلاتها و محاولة تحسين طرائق تدريسها.
أما عن موقع الفلسفة اليوم فلقد انقلبت الأدوار وهذا راجع طبعا إلى البيئة و المناخ، و التي تؤثر بدورها على العقليات و آليات التفكير، فأصبح الأغلبية يرضون بما هو سائد و ماهو جاهز دون إعمال العقل و التفلسف فيه و هذا بدوره أدى إلى خلق الاجترار و التسويف و الرضا بما هو سائد و جاهز، إذ يعتبرون الفلسفة تخصص فارغ المعنى و مضيعة للجهد و الوقت، و هكذا راجع لجملة من العوائق و المثبطات التي تقف أمامها، كما أن مكانة الفلسفة في الجزائر خاصة و الوطن العربي عامة بحاجة إلى إعادة النظر في منظومة الأنساق المعرفية و ضبط المفاهيم و إعادة الثقة لهذا النوع من التفكير بزرع روح النقد و حرية التفكير و ممارسة فعل التفلسف.
ما العوائق التي تقف أمام تدريس الفلسفة؟
كانت و لا تزال الفلسفة تعاني جملة من العوائق و التحديات من بين أهم العوائق جدل النظري مع الممارسة، الأحكام المسبقة و الآراء التي تكبل العقول، التدريس بطرائق قديمة لا تتوافق و لا تتواكب مع العصر الحالي، البيئة و المناخ المتغير و المتجدد، عزوف الطلبة عن الإقبال عليها، صعوبة هضمها و اعتبارها لدى البعض تخصص فارغ المعنى، غياب اليقظة و الوعي الذاتي، التدريس بالأهداف بدل التدريس بالكفاءات، العقل الاقتصادي الخاضع لقانون العرض و الطلب، و ضع حدود للتفكير و قمع الحريات.
ما رأيك في عودة المسألة الدينية كمسألة فلسفية مركزية في فلسفة ما بعد الحداثة، وهل تمّ التعامل معها بالوعي النقدي الكامل؟
الفلسفة لا تتعارض مع المسألة الدينية، فالدين هو من بين أفضل طرق الاتصال بالحياة، كما ساهمت الفلسفة في فهم الدين، فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر تطبيقات المنهج الفينومينولوجي على النص الديني و معالجة ظواهره بشكل حيادي يساعدنا على فهم الدين فهما صحيحا .. كما أصبح للدين خلفية ودافعا للمنظومة المفاهيمية و السلوكية ، فإذا كان الدين يمثل المنظومة التي تشمل العقيدة و الشريعة ، فالحاكم الحقيقي هو الذي يعين شعبه على دينه ودنياه و بالتالي تحقيق النجاح في الدنيا و الآخرة.
كيف بإمكان الفلسفة الوجودية أن تمنحنا حلولا لمشاكلنا رغم الإختلاف كمّا و كيفا عن المحيط الثقافي الأوروبي عموما؟
الجميع يتفق على أن الوجودية تقر بأن الوجود سابق على الماهية، كما جاءت الفلسفة الوجودية لترد على الأنساق المغلقة من خلال رفضها للإطلاقية و هذا بدوره يمنحننا حلولا سواء في العالم العربي أو الغربي، فعلى سبيل المثال لا الحصر العالم ليس عبارة عن آلة و فقط و لا تعبر عنه فقط الأشياء الميكانيكية، و هذا بدوره يفتح مجال الشك، فالمعرفة مثلا كلها قابلة للشك و هذا يقودنا بدوره إلى الانفتاح و النقاش و الجدل فشعارها هو هيا بنا لنضحي بالنسق ! هذا النسق الذي حاصر عقولنا و أقحمنا و سط سياجات دغمائية.
جاءت الفلسفة الوجودية لتثور على جميع أشكال التنميط و التزويق، فالفلسفة الحقه هي بلورة رأيي في مشكلة ما من المشكلات و أكون على وعي و مدعم بحجج دامغة، أي الربط بين الفكر و الحياة.
نلاحظ أن المثقف العربي انزوى في الأطراف وترك مركز التأثير للانتهازيين وأشباه المثقفين، والذين احتكروا كل شيء، ما تعقيبك على هذا الواقع وهل تؤمنين بمفهوم “تناهي المثقف”، إلى أي مدى تحضر جدلية المثقف في الفضاء الثقافي الجزائري؟
المثقف الحقيقي هو من ينفع و ينتفع، فالأكثر تثقيفا هو الذي يتوجه للأقل تثقيفا لمساعدته على التعلم بدون مقابل، أما المثقف المفبرك يعتبر مشكلا أكبر من كونه حلا للمشكل ، فنصف المعرفة أكثر خطورة من الجهل فثقافة الزيف تصنع المهرجين الذين لا يجيدون أي فن سوى التنكر للحقيقة ، أما المثقف الحقيقي هو الذي له القدرة على أن يكتفي بالقراءة في زمن يدعي فيه الجميع الكتابة و يكون مساهما في خدمة رفاهية الإنسان و المجتمع ، أما أشباه المثقفين و الانتهازيين هم عبيد الشعبوية التي هي سبب المصائب و الكوارث التي تقوم على دغدغة عواطف الشعوب و تعطيل العقل
ثمة تقصير فادح في الاهتمام بالنخب الجزائرية على مستوى المؤسسات الجامعية والبحوث الدراسية الأكاديمية التي تقدم، فباستثناء محمد أركون أو مالك بن نبي، نادراً ما نجد دراسات ورسائل جامعية تهتم بأسماء أخرى جديرٌ الاهتمام بها، لماذا هذا الاجحاف، من المسؤول عن ذلك؟
محاولة لفهم حقيقة معاناة محبة الحكمة وسط أعداء نجاحها:
الفلسفة بريئة، ألوم البيئة و المناخ الذي ترعرعت فيه الفلسفة، مسكينة هي كيف لشعبة العقل و النقد و التفكير الحر أن تقمع بقيود و أغلال الجهل و الأحكام الباردة من أناس جامدة ! كانت و لازالت تعاني جملة من المفارقات ففي طريقها للبحث عن النور يظهر كل الملائكة عفوا أقصد شياطين الجهل …هل اللوم على المعلم ام نحن الطلبة أم الإدارة أم المجتمع أم المؤسسات الجامعية …؟ صراحة اكتفينا من ظلمكم لها ! إلى متى ستظل الفلسفة تقاوم اليومي الذي يمارس سلطته عليها و علينا، إلى متى تطالبونها بالجديد و أنتم تتلذذون بالرتابة و الجمود؟ أيها المجتمع، كرهنا الضغوطات و الإملاءات نحتاج للتفطن لفهم مجريات اليومي و الآني دعوا أساتذتنا يلعبون دور المفكرين و لا تلزموهم بأن يكونوا فقط مخبرين! لا يحتاج أساتذتنا لقيود، بل هم بحاجة للأمان و الدعم لتحديد طريقة تفكير و أسلوب عيش يعدنا كطلبة باحثين بغد أجمل و مستقبل زاهر.
هل نحن نسعى للبناء أم إعادة الترميم؟
نحن ضحايا ثقافة النصوص، نحن بحاجة ماسة للتفلسف الحقيقي الخالي من الإملاءات، نحن الأحق بفهم ذواتنا تحت شعار كلنا واعون، لا لتقديس الأوهام، لا لمحبة الأكاذيب لا لتمجيد الحمقى لا للإملاءات و البراديغمات الجاهزة، معا لفلسفة جديدة، معا للتفاهم الروحي، معا للتواصل العقلاني، معا لغد أجمل. …
لماذا نلجأ للفلسفة، و ماهو دورها في تحسين الوضع المعنوي للأفراد، و ماهي البدائل لتجاوز القلق المتنامي حول جائحة كورونا؟
و كأنها الملجأ و بيت الوجود الحقيقي للفرد الآني المتعطش لاستسقاء المعرفة من العقول النيرة، ها نحن اليوم نعايش أزمة حلت على البشرية، الكل يتفلسف كيف لفيروس حجمه 150 نانومتر مجهري لا يرى بالعين المجردة، أن يقلب موازين كرة أرضية تتعدى مساحتها 550 مليون كلم ² ! كل هذا ولّد لدي سيلا جارفا من الأسئلة:
هل نعيش وباء أم بلاء ؟ هل الأزمة حقيقية أم مفتعلة ؟ و هل هي محض صدفة و نحن نعايش القرن العشرين؟
اليوم حتم علينا وضعا غنيا بالضغوطات و الاكراهات، ففرضوا علينا جملة من الوصايا وحدها الفلسفة من تستطيع أن تتحرر من سلطة اليومي، فهي لها قدرة عجيبة على التكيف و التلون و التجدد و التحرر، فهي تتفطن لفهم راهنتينا بأدوات مختلفة، هي فن للتعايش، لماذا لا نجسدها؟ ، لماذا لا نكون نيتشويين من خلال خلق الحياة وليس فقط الاستسلام للراهن و البقاء فقط على قيد الحياة.
فريدريك نيتشه: من خلال ” قلب القيم” يدعو لقلب القيم و يشجع على الحياة و قوته تكمن في أن يكون صاحب قرار “فالضعفاء يعيشون بالأحلام، أما الأقوياء فيطبقون تلك الأحلام، من هذه الحكمة أدعوكم لقلب القيم، فنحن حقا نعيش أزمة فيروس كورونا ، لكن هذا لا يمنعنا من الحياة ، لا تتعمقوا في الحزن بل تعاملوا معه بسطحية ”
الفلسفة تواجه تحديات تغنيها و تثري مواضيعها ، فهي روح العصر، “فيروس كورونا” هو الأخير لا يملك جوابا ولا تفسيرا و لا حقيقة مطلقة نهائية و يوجه الجميع نداء : كلنا إنسان في ظل جملة من التفسيرات التي يراها الأغلبية متناقضة، في حين أنا أرى أنها ليست متناقضة، بل تجتمع كلها لتشكل لنا الحقيقة في صورتها المطلقة ، نزعة دينية ترى أن هذا الفيروس ابتلاء من الله يعالج بالدعاء ، نزعة مادية ترى أن الفيروس حرب بيولوجية وأنه استخرج من الحيوان و تم تطويره ، و نزعة سياسية تعتبره سلاحا ينبأ عن صراع سياسي بين كبار الرأسمالية يتطلب حلول بيولوجية لانقاذ البشر!
ما هي برأيك الدروس التي تمدّنا بها هذه الجائحة من أجل إعادة ترتيب علاقتنا بالعالم والإنسان على المستوى السياسي والبيوتيقي؟
البيوإتيقا : تنقسم إلى بيو: تعني حياة/ و إتيقا : تعني أخلاق
و بالتالي هي أخلاقيات الحياة، فهي رؤية جديدة لما يجب أن يكون عليه الأطباء و العلماء في ممارساتهم و بحوثهم و ضرورة التلاقي و الحوار بين المعرفة البيولوجية و القيم الإنسانية، ظهرت لتهتم بالإنسان و هي ضد الاستخدام اللاعقلاني للمعرفة العلمية من أجل الشهرة و الابتعاد عن تشيئ الإنسان و حريته في التقرير و التشاور، فعلى سبيل المثال نستحضر جائحة كورونا باعتبارها أثارت جدلا واسعا في أوساط الأطباء و المرضى فالبيوإتيقا هنا تتدخل و تطرح التساؤل التالي : ما الذي يجب أن يكون عليه الطبيب ؟
أي أنها تدافع عن حقوق الإنسان و تشير إلى أخلاقيات السياسة الصحية و تجاوز أزمة القيم …
كلمة أخيرة للجريدة ؟
الجريدة الحق في نظري هي التي تنظر إلى المنتج الإبداعي للشخص و ليس إلى ذات الشخص و مكانته و نفوذه و هذا ما لمسته فيكم ، أشكركم على هذا الحوار الشيق و العميق بحيث تجعلون من الشباب أنموذجا للإبداع و تقدمونه على شكل منتجات واعية تمثل بؤر تنويرية في المجتمع .. أما عن الصحفي المتألق لخضر بن يوسف فلا أجد الكلمات التي تفيه حقه فهو بمثابة الروح الرحيمة و المحفز و المحرك الذي يدفع بالأرواح التي آمن بها دوما نحو الأفق المتألق، يخجلني تواضعك و نبل أخلاقه، هنيئا له بهذا الوعي و الوجدان، أسأل الله أن يقويه و ينور دربه أينما حل ..










