كشف الباحث الأكاديمي و الناقد الإعلامي بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف الأستاذ خليل بن عزة أن جدلية الثقافة و السلطة و المجتمع في الجزائر لا يزال يلفه كثير من الرؤى التقليدية، و التي ستثبط انطلاقة هذا القطاع الحقيقية نحو الإبداع والخلق و التجديد، إذ أن التراتبية الهرمية قوّضت في نظره العديد من فرص الإبداع و جعلتها تتركب في سوسيولوجيا الروتين و الوصاية و الرداءة و الابتذال .
حاوره : لخضر . بن يوسف
فيما تتجسد الأهمية الجوهرية لقطاع الثّقافة في الوقت الرّاهن؟
لا شك أن لقطاع الثّقافة في الدّول المعاصرة أهميته وحساسيته الكبيرتين، ذلك أن الثّقافة لم تَعد منفصلة عن سياسات التّنمية باعتبارها استثماراً أساسياً في مستقبل العالم، وشرطاً ضروريا لعمليات العولمة النّاجحة التّي تأخذ بعين الاعتبار مبادئ التّنوع الثّقافي، وهو ما أكدت عليه “منظمة اليونيسكو” مرارا وتكرارا، فتطوير القطاع الثّقافي وبالإضافة إلى انعكاساته الإيجابية على النُّمو الاقتصادي، كذلك يُساهم في التّأسيس لحياة فكرية وجمالية وذوقية ونقدية راقية، لهذا لا يمكن فصل التّنمية بحُمولتها عن الثّقافة، وصار التّحدي الأكبر على هذا الصّعيد هو إقناع صُنَّاع القرارات السّياسية والفاعلين الاجتماعيين بِدمج مبادئ التّنوع الثقافي وقيم التّعددية الثّقافية في مجمل السِّياسات والآليات والممارسات العامة والخاصة، كاستراتيجية تُرُوم إلى دمج الثّقافة في مجمل سياسات التنمية سواء ارتبطت بالتعليم أو البيئة والسّياحة والصّناعات التّقليدية والإبداعية أو الصّحة أو الإعلام والاتّصال.. إنها ببساطة تنطوي على منافع هامَّة تحقِّق في مُجملها التّـماسك الاجتماعي والرُّقي الإنساني .
ما تقييمك لواقع قطاع الثّقافة ببلادِنا الراهن؟
نعتقد أنَّ الواقع يُعبِّـر عن نفسه، ما يجعل الرِّهان على إعادة بناء قطاع الثّقافة ببلادِنا كبير وشاق، حيث أنّنا -مع كل الأسف- ننطلق من الصِّفر، بدايةً من النُّصوص التّشريعية والتّنظيمية التي أصدرتها الأنظمة السّياسية السّابقة، والتي حطَّمت هذا القطاع إذ أرادت السَّيطرة عليه، إضافةً أمراض أخرى كضعف كفاءة أغلب القائمين على هذا القطاع، فضلاً عن المحسوبية والزّبائنية التي استفحلت داخل مؤسساته، واستغلال الأنشطة الثّقافية المختلفة لأغراض سياسية وأيديولوجية وبأساليب شعبوية مُنحطّة.
الحق أن هذا القطاع يعاني كثيرا بسبب تركات الماضي وخاصة العشرين سنة الأخيرة، وصار لـِزاماً إصلاح ما يمكن إصلاحه، نقول ذلك ونحن نفترض توفر الإرادة السّياسية لذلك في الوقت الرّاهن .
هل تعتقد أن الدّولة تقوم بما عليها لتنمية هذا القطاع الحساس حالياً؟
يُلاحظ أنّه ومنذ الحراك الشّعبي، حدثت بعض التغييرات على المستوى التنظيمي والهيكلي لقطاع الثّقافة الوطنية، وقد ظهر بجلاء من خلال ما تضمّنته حكومة الرئيس المنتخب “عبد المجيد تبون”، وذلك باستحداث هيئات ثقافية رسمية إضافةً إلى وزارة الثّقافة، فقد جرى استحداث منصب كاتب للدّولة مكلّف بالإنتاج الثّقافي، ومنصب كاتبٍ للدّولة مكلّف بالصِّناعة السِّينيماتوغرافية، ولاشك أن ذلك يحمل الكثير من المؤشرات، فبَين اهتمام إضافي من قبل الدّولة بهذا القطاع كمؤشر إيجابي، هناك سلبيات يجب أن لا ننكرها، ونحن أمام قطاع يقتضي الإبداع والتّجديد والإحياء والنّقد.
ماهي الحلول التي تقترحونها للنُّـهوض بهذا القطاع مستقبلاً؟
هناك مجموعة من الحلول التي يجب البدئ بتفعيلها وتطبيقها بسرعة إذا كانت النِّية والإرادة متوفرة للإصلاح، بًدايةً بإلغاء بعض النُّصوص القانونية المتعلّقة بالإبداع والإنتاج السَّمعي-بصري كالسِّينما، وكذلك مُراجعة قوانين انشاء الجمعيات والمنظمات الثَّقافية، كما يجبُ الاستثمار في النَّشاط الثّقافي وإدراجه ضمن مخططات التَّنمية بفتح المجال أمام المبدعين الخواص للقيام بذلك، لنبتعد عن واقع الثّقافة الرّسمية التي لم تَعد قادرة لا على التّعبير عن صوت الشّعب، ولا على التّكلم بلغةِ الجماهير، يجب الاعتراف بأن استحداث الهيئاتٍ التَنفيذية الجديدة سالفة الذِّكر لن تُضيف إلى هذا القطاع شيئاً ما لم تكُن هناك إرادة سياسية لتغيير الوضع الثّقافي القائم، وهو أمرٌ يتطلّب سَـنّ قوانين جديدةً وتغييراً جذرياً في القوانين الحالية المُعرقلة للفعل الثّقافي، مع منح الحُرية للمسؤولين على تلك الهيئات لتسيير القطاع وفق رؤى حُـرَّة ومستقلة، هادفة ومُمنهجة ومستفيدة مِن توجيهات مُستشارين متخصصين وأكفّـاء يشتغلون على مستوى وزارة الثّقافة والهيئات التّابعة لها، فالرؤية الجادّة التي تُعيد النّظر بشكل جذري في كيفية تسيير هذا القطاع هي ما نحتاج إليه في هذه السِّياقات .
كيف تتوقع مستقبل قطاع الثقافة ببلادنا؟
نُبقي الأملَ قائماً والتَّـفاؤل خليلاً لنا ولأفكارنا وتصوراتنا، وإن كان الواقع مأساويا، ونتمنى زوال المُمارسات البيروقراطية التي خَنقت النَّشاط الثقافي ببلادنا، مع ضرورة الانفتاح على العالم وتقديم فِعل ثقافي يأخذ بعين الإعتبار واقعنا وتاريخنا وحاضرنا ومُستقبلنا، ويستمدُّ إبداعه من تُـراثنا الثَّقافي الثَّـري والمتنوع أكان ماديا أم شفهيا، ذلك أننا بحاجة ماسَّـة إلى سِياسة ثقافية مدروسةٍ تَستوعب التنوُّع الموجود في بلادنا.
كما نرجو توفير كل الدَّعم للفنّانين والمُبدعين في مختلف النَّشاطات الثَّقافية دون أي تمييز أو إقصاء، مع ضرورة ضمان حُريتهم وحفظ كرامتهم الاجتماعية، وخَلق مشاريع مُنتجة ومُربحة.










