تمتاز الجزائر بجمال خاص؛ لما تحتويه من معالم وآثار تجذب كل باحث عن الجمال ليستمتع به حيث تكثر المناطق السياحية؛ نظراً لاتساع مساحتها وتنوع مناخها، وكونها أكبر دولة افريقياً وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، تمتلك الجزائر سياحة تجمع بين التاريخ والمشاهد الطبيعية المذهلة حيث تجمع في طبيعتها البحار والسهول والوديان والجبال والصحارى، فهي تحتضن العديد من الطابع العمراني المغاربي الخاص بها، حيث لا تشبه بلدان اخرى، على غرار المواقع الأثرية التي تعود إلى العصور الفينيقية والبيزنطية والرومانية التي عايشها سكانها بالإضافة إلى الاخيرة الإسلامية.
وفي جولتنا هذه سننفرد بالتحدث عن أهم المعالم السياحية الموجودة في مدينة الجزائر العاصمة، حيث تستقطب السياح من مختلف أنحاء العالم.
تُمثل السياحة في الجزائر رافدًا مهمًا لاقتصاد دولة الجزائر نظرًا لما تحظى به من تنوع كبير بعناصر الجذب السياحي، ففيها السواحل المُمتدة والجمال الطبيعي، والأحياء التاريخية العريقة، المتاحف، والقصور، والأماكن المقدسة، الأسواق الشعبية ومراكز التسوق الحديثة.
لكي نتعرف اكثر على الجزائر العاصمة وعن معالمها السياحية سنستدل بشخصيات تهتم بالتاريخ ومعي من في جعبته الكثير الكاتب”عمر شلابي” المختص في التاريخ وبما انه اصدر مؤخرا كتاب يحكي عن قصبة العاصمة وأسرارها سيؤكد لنا عدة حقائق.
روبورتاج / نبيلة لعزيب
نشأة وأعمار الجزائر العاصمة
اسس القائد بلقين بن زيري الصنهاجي مدينة الجزائر العاصمة على أنقاض موقع المدينة القديمة ايكوزيوم عام 960م، وقام بإعادة إعمارها بالكامل، فازدهرت في عصره.
ويعتبر الجغرافي أبو القاسم إبراهيم محمد الكرخي، أول من أشار إلى مدينة الجزائر بعد تأسيسها، ووصفها أيضا المؤرخ “أبو القاسم محمد بن حوقل” عندما زارها في عهد بلقين، فقال: “وجزائر بني مزغنة مدينة عليها سور في نحو البحر، وفيها أسواق كثيرة ولها عيون على البحر طيبة، وشربهم منها، ولها بادية كبيرة، وجبال فيها قبائل كبيرة، وأكثر المواشي من البقر والغنم سائمة في الجبال ولهم من العسل ما يجهز عنهم والسمن والتين الخ.
وعن الجغرافي الأندلسي الشهير أبوعبيد البكري في وصفه لشمال أفريقيا حوالي1068 م اروع وصف واصل تسمية الجزائر ووفقًا للباحث إسماعيل مجبر ان بولوغين بن زيري الصنهاجي اطلق اسم “دزاير” على مدينة الجزائر تخليدًا لاسم أبيه زيري بن مناد، الذي أورثه الحكم، فكتبه المؤرخون ب(جزائر) لصعوبة التقاء حرفي الدال والزاي في الكلمات العربية وثانيا لصعوبة اضافة التعريف بالعربية على كلمة دزاير ونطقها بشكل صحيح.
وبعدها توفي القائد بلقين بن زيري بن مناد الصنهاجي سنة 984م، وخلفه إبنه “المنصور بن بلقين”(984-995) وتوجد بلدية بولاية الجزائر تحمل اسمه بولوغين تكريماً له والعاصمة بعدها استقبلت هجرات متواصلة من الاندلسيين والاتراك.
أهم سبعة قصور شيدت منذ قرون مضت
نعرفكم عن هذه القصور التي شيدت منذ قرون مضت وبعضها حتى قبل الدخول العثماني والتي تعتبر ثروة تاريخية للفن المعماري الجزائري.
اولا تسمية القصور هي تسمية فرنسية في الاصل تسمى الدار الكبيرة وتعني الفخامة للبورجوازيين وكل هذه القصور التي سنقوم بالتجول فيها تتمركز في القصبة السفلى عدا قصر السلطان “الداي” يتمركز في القصبة العليا والذي أمر بنائه عروج بربروس عام 1516 كقاعدة عسكرية وهي رمز الجزائر المحروسة وسكنها “الداي حسين” من 1818 حتى 1830م إلى ان طرد من طرف الاستعمار الفرنسي والآن في طور الترميم.
و أول أسطورة لطالما تحدث عنها المؤرخين والعوام، قصر خداوج العمياء وهو في الأصل كان ملكاً لتاجر يهودي اسمه “Jakov bakli” ثم اشتراه الباشا محمد بن عثمان الذي أهداه سنة 1791 للخزناجي حسن باشا ثم أهداه هو ايضا لابنته خداوج التي هي في الأصل عمياء و كثرت الأساطير حول قصة عماها، واخرون ينفون سكنها في هذا القصر .
وأمام قصر خداوج العمياء أمتار فقط تفصلنا عن قصر “مصطفى باشا” حيث سكن فيه الحاكم مصطفى باشا العثماني آنذاك وكان مقر الديوان، يعتبر تحفة فنية راقيه قوائمه مزخرفة بالزليج من ايطاليا وغيرها، وايضا قصر أحمد باشا بنفس الزخرفة الراقية وحوّل الى مقر إدارة المسرح الوطني الجزائري، وبجانبه قصر حسن باشا الموازي لجامع كتشاوة كان للخزناجي وزير المالية حاكم الجزائر محمد بن عثمان المبعوث العثماني الرسمي، بُني عام 1791 من طرف داي الجزائر حسن باشا، مقر إقامة الشخصيات، عند الاحتلال أصبح قصر الحكام الفرنسيين في الجزائر تحت اسم قصر الشتاء ثم قصر “بروس” من ثم اقام فيه نابليون الثالث في عامي 1860 و 1865، وصنف كتراث تاريخي منذ عام 1982.
ويقابله قصر العزيزة نسبة لبنت الداي حسين، لكن قبل هذا كانت دار الضيافة ل “سليم تومي” ملك المملكة الجزائرية “عندما راسل العثمانيين لإغاثة بلده من الهجوم الإسباني آنذاك استضاف الإخوة بربروس هناك. قصر على الطريق الكبير معروف بالنمط الدزيري واعيد ترميمه من طرف العثمانيين.
وفي نفس المستوى نرى قصر الدار الحمراء ويسمى أيضا بدار”مامي أرنوت” كان ليهودية ثم آل الى اشهر قرصان بحري برتغالي وآخر قصر استضيفكم فيه قصر الرياس على الواجهة البحرية، الذي بني اواخر القرن 16و من طرف حكام عثمانيين كانت قاعدة عسكرية للدفاع عن المحروسة وهنالك كانت القصور الثلاث بمثابة مجسم عمراني صغير لمدينة القصبة الجزائرية العريقة بأزقتها وبيوتها ومنمنماتها الزخرفية التي لا تزال تحكي عراقة ذلك الحي، زادته واجهته البحرية زينة عمرانية، ليعبر بذلك عن الثقافة العثمانية والان معروف باسم قصر23، سنة 1990 كمعلم تاريخي، ليبقى شاهدا على تعاقب الحضارات والثقافات.
الاماكن المقدسة البارزة في العاصمة
وحتى نفهم أكثر عن مفهوم الحرمة والتربية الاسلامية لدى الجزائريين سنعرج و نذكر بعض الامكنة المقدسة كالمساجد والأضرحة وبعض الصوفيين الذين برزوا في الماضي ولايزال أولاد المنطقة يمشون ويذكرون اسلافهم من رجال الدين، بداية جامع البراني الذي يرمز معناه موقف استراحة عابري السبيل والمسافرين ومصلى يقابل دار السلطان والان يعاد ترميمه.
ونتجه للقصبة السفلى نمر على جامع سيدي رمضان الذي بني في ق11م بطراز مغاربي معروف وينبوع ماء مرافق للجامع، وعند القصبة السفلى بجانب قصر حسان باشا يوجد جامع كتشاوة باللفظ التركي معناه *ساحة الماعز* أعاد توسعته حسان باشا بزخرفة عثمانية واضحة جدا لكن مصير الجامع كان قد تحول الى كنيسة مثل جامع البراني في الفترة الاستعمارية الفرنسية، مثلما فعل لجامع بيتشين وهو على بضع أمتار على الطريق العام حيث بناه الايطالي المعتنق للإسلام كمهر لبنت الحاكم كوكو في القرن17م وينبوع ماء مع حائط الجامع ما يسمى بزوج عيون كصدقة جارية ولن ننسى ان نذكر اقدم مسجد المدينة أقدم مسجد في قصبة الجزائر هو الجامع الكبير، بني عام 1097 من قبل يوسف بن تاشفين على النمط المرابطي المغاربي في وقت تأثير المباني على بلاد الأندلس، ذات شكل رباعي، يعلوه فوانيس، مزينة بالسيراميك والنقوش المغاربية المعروفة.
وأخيرا مسجد بني في العهد العثماني هو الجامع الجديد عام 1660م وله نفس النمط المغاربي بلمسة عثمانية، بالإضافة الى مساجد صغيرة كمسجد سيدي محمد الشريف وسيدي عبد الله وسيدي بن علي، والتي زادها فخرا لوجود اضرحة لزاهدين وحفظة القران وضريحها الشهير سيدي عبد الرحمن الثعالبي الذي لا يزال يمثل مزارا كبيرا لحد الان من سياح اجانب نسبة لحادثة زيارة الملكة الإنجليزية فيكتوريا لضريح سيدي عبد الرحمن وعندما استفهمت عن قيمة المكان الروحي دعت الملكة وعندما أنجبت ولدا بعثت بثريا كهدية امتنان وهذا معلق في الضريح للان .
حول الضريح توجد عدة اضرحة لأحفاد الزاهد عبد الرحمٰن الثعالبي وأقاربه وزاهدين اخرين.
وما يميز هذه القصور والمباني والمساجد ابوابها الكبيرة المقوّسة كباقي معمار وهندسة دول شمال افريقيا وبلاد الأندلس ولها خاصية الأبواب العتيقة ولغز الطبطابات – عندما تقرع الباب لطبطابة السفلى يفهم أن الطارق امرأة اما الطبطابة العليا كانت تخصص للرجال .
لغة الحرمة والخوف من اي شيء ‘يخدش الحياء’ من أولويات الجزائريين بني مزغنى وهذا مثال بسيط ليفهم الزائر كيف يحترم الرجل المرأة وليس للعزلة ورفض الآخر.
ولا ننسى أن الزخرفة المغاربية باللمسة الأندلسية كانت واضحة جدا بعد دخول الحرفيين الأندلسيين إلى مدينة الجزائر وغيرها من المدن حيث وجدوا عزاء لجنتهم المفقودة فأصبحت أناملهم تحاكي حنين الوطن في كل ما يلمسونه و غدت الجزائر بذلك جوهرة تلمع في سماء البحر المتوسط فأحضروا غرناطة و ملاقا و سرقسطة و اشبيلية و قرطبة ومن خلال كل ما بني و ما أنجز من أعمال لهم و هذا وفقا لما يحكى من كتاب – الثراث الموريسكي المخطوط-.
الحرف والصناعات التقليدية تروِّج للسياحة الداخلية
وفي جولتنا بين أزقة القصبة نلاحظ عدة محلات متخصصة في الحرف و الصناعة التقليدية وهذا يروِّج للسياحة الداخلية اكثر وحتى نعرّف بتقاليدنا للسائح الأجنبي التي ورثها ابناءها أباً عن جد، و منها صناعة نحاس، الجلد، النقش على الخشب، الألبسة التقليدية، الفخار، الزخرفة على الزجاج، الزرابي، المجوهرات من الفضة والذهب الخاصة بكل منطقة .
هذه الحرف تعتمد على الدقة و الإتقان و الموهبة الخارقة في جعل قطعة عادية إلى تحفة فنية تسحر عيون من يراها وهي موجودة في الجزائر منذ العصور الوسطى، والحفاظ عليها من السرقة والترويج لها من وظيفتنا كجهة معنية او أفراد حرفيين.
أما في ما يخص الأمكنة المقدسة الاخرى المتواجدة هنا في العاصمة، لا بأس ان نعرّج بزيارة كنيسة السيدة الافريقية، شيدت في الفترة الاستعمارية وهي في أعالي باب الواد، نسبةً للسيدة النصرانية “مارغريت بيرجار”، كانت من دعا لتشييدها في 1858م.
تتميز الكنيسة بطرازها المعماري المنفرد، عندما تعبر باب الكنيسة تُصادفك على اليسار لائحة منقوشة عليها العبادة المريمية، وتقابلها حجرة منحوتة منقوش عليها اسم مريم، وحولها تذكرة مريمية من القرن 14م مكتوبة باللاتينية والعربية والأمازيغية مكتوب عليها “احمي خدمك يا مريم”.
وتعتبر الوجهة الأولى للسياح الأجانب من المسيحيين الأوروبيين حسب تصريح الاب ڤكتور، في بداية جولتهم للآثار والمعالم بالعاصمة وأخذ الصور كتذكار لدعوة أصدقائهم لزيارة هذا المكان المميز الذي يمثل عقيدتهم المسيحية.
ونذكر انّ خلف هذه الكنيسة هنالك مبنى ضخم لسفارة الڤاتيكان بالعلم الأصفر والابيض.
خارج المدينة متنفس اوسع ومعلم مميز
حتى نخرج من ضوضاء وإزعاج سيارات المدينة، يكفي ان ندعوكم للتعرف إلى مكان فسيح نرتاح فيه ونستنشق الهواء النقي، واكيد ستجدون سلام داخلي لروعته، وهي حديقة خضراء في وسط الجزائر وتسمى “الحامة”، أشجارمختلفة وعملاقة يفوق عمرها 150 سنة، بمساحة 32هكتار، ونباتات بالآلاف والملايين ب 5002 نوع و بحيرات عديدة، ولها بصمة في تاريخ السينما العالمية لما صوّر فيلم “طرزان” في القرنين الماضيين، افتتحت رسميا كمقصد متحف طبيعي سنة 1832م.
ويوجد بها حدائق على الطرازين الانجليزي و فرنسي.
وتعتبر الحدائق وفضاءات الترفيه مثل ( قاعات العاب ومراكز تسلية مختلفة….) ضرورة لابد منها لحياة السكان ولجذب السياح، ونلاحظ قلّتها في بلادنا، رغم أنها تعد عامل جذاب و قوي جدا ومنشط للحركة السياحية الداخلية، إذ تعتبر استثمار سياحي يستحق التفكير فيه.
ويمكن زيارة عدة معالم محيطة بها بخط التليفيريك لنرى العاصمة من اعلى منطقة من” مقام الشهيد”، هذا الرمز الذي نتميز به بين البلدان وفي كل المحافل الدولية، “مقام الشهيد” من تصميم الجزائري “بشير يلس ” يبـــلغ طولــه حوالي 92 م وهو على شكل ثلاث سعفات نخيل تتعانق و ترتقي إلى السمــاء.
يعدّ تــحفة معماريــة أخّاذة يطل من أعالي هضبة المدنية (صالومبي) بالجزائر العاصمـــة، أنــجز سنة 1982 م بمناســبة مرور الذكرى العشرين لاستقــلال الجزائر، و رغم أنها كانت فكرة الرئيس الراحل هواري بومدين منذ الإستقلال إلا أن التجسيد والتدشين لم يتم إلا في عهد الرئيس الشاذلي بن الجديد.
كما يضم تحت المعلم متحف المجاهد بكل لــواحقه، و قد أشرف المصمم “يلس” على ترتيب محتويات المتحف.
لم يكن بناء هذا الصرح محض صدفة ولا تفاخرا بالفن المعماري و لكن شيد لغاية اسمى و اجل، إنما بني تخليدا لذكرى اولئك الابطال الشجعان، الذين هانت عليهم ارواحهم و اجسادهم و رووا بدمائهم الذكية تراب وطنهم الجزائر طلبا للحرية .
الجزائر العاصمة مدينة متنوعة ومختلفة بمعالمها وإطلالتها على الحوض الابيض المتوسط فقط أعطتها ميزة حتى سُميت بجزيرة النوارس وشبهتها نساءها بطوق الخلخال.
تذكرنا بمرور حضارات عديدة، خاصة عندما تقص حكاياتها امام السياح العرب والأجانب .
كل شيء فيها مهيئ لجعلها قاطرة السياحة لشمال القارة السمراء ترسيخ فكرة الثقافة السياحية في اذهان ابناءها، من صغيرها الى مسؤوليها اصبح اولوية، وترميم ما يجب ترميمه مثل المغلوب على امرها القصبة، التي نراها تنهار وتندثر مع الزمن، ايضا تشجيع الحرف التقليدية التي تعبّر عن تميزنا بين الشعوب، ومن ناحية التكوين كالتسويق السياحي الصحيح ما يخدم صورة السياحة الجزائرية داخليا وخارجيا .










