لم تتبقى سوى أيام معدودة ليتم إسدال الستار عن الصرح الديني الضخم المتمثل في جامع الجزائر الأعظم، الذي سيصبح بعد شهرين، أكبر منارة إسلامية تضيئ شمال إفريقيا والعالم العربي، ويعطي بعدا دينيا وسياحيا جديدا للجزائر بما سيشكله من مدرسة ومعلم سيوازي الأزهر والزيتونة، ويشكل مركز استقطاب للسياحة الدينية، ويحقق حلم الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان أول من فكر في المشروع، بتجسيد من الرئيس الحالي عبد المجيد تبون الذي أولى أهمية كبيرة للمسجد منذ إشرافه على أولى أساساته حين كان وزيرا للسكن ليختمها بإعلانه الأخير عزمه افتتاح الصرح الديني الجزائري في الفاتح نوفمبر ما سيزيد من رمزية المعلم ويعطيه نفحة نوفمبرية لطالما تمسكت بالمبادئ الإسلامية.
سيدشن الجزائريون في الفاتح نوفمبر المقبل بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أكبر صرح إسلامي بإفريقيا وثالث أكبر مسجد بالعالم بعد الحرمين الشرفين، بمساحة إجمالية تقدر بأكثر من 27 هكتار، ومنارة هي الأطول من نوعها في العالم تناطح أعلى مرتفع في العاصمة “هضبة بوزريعة” وتتجاوز كنيسة السيدة الإفريقية المشيدة على يد القسيس بافي سنة 1855، وتمحي من الوجود ما حاول شارل لافيجري قائد جمعية المبشرين بالجزائر القيام به، خصوصا وأن المسجد قد بني على أنقاض كنيسة الآباء البيض التي اتخذتها فرنسا الإستدمارية لما يزيد عن القرن كصرح تبشيري في افريقيا، بالإضافة إلى أن الرئيس تبون سيكمل في الفاتح نوفمبر مسيرة بدأها الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي كان أول من فكر في بناء صرح ديني يوازي في ضخامته ومكانته جامع الزيتونة في تونس والأزهر المصري.
معايير خرافية لأكبر مسجد في افريقيا
مسجد الجزائر الأعظم سيكون ثالث أكبر مسجد في العالم بعد مكة والمدينة، حيث سيمتد على مساحة تفوق 25 هكتارا، ويطل على خليج الجزائر في حي المحمدية بشرق العاصمة، يحوي قاعة صلاة رئيسية تتسع لـ 36 ألف شخص، بالإضافة إلى ساحات تتسع إلى 86 ألف شخص ما يجعل عدد المصلين الكلي في حال امتلاءه 120 ألف، كما سيحوي مكتبة تتسع لـ2000 شخص ومدرسة لتعليم القرآن الكريم وعلومه، بجانب قاعات مؤتمرات ومراكز ثقافية وإعلامية، وحدائق، كما سيضم المسجد كذلك ثلاثة طوابق تحت الأرض، تتسع لـ6000 سيارة.
وحطم الجامع الأعظم الكثير من الأرقام القياسية، على غرار امتلاكه لأطول مئذنة في العالم بارتفاع يفوق 265 متر، وأحد أكبر القباب بقطر40 مترا وعلو 70 مترا، بالإضافة إلى أكبر ثريا في العالم بقطر 13 متر، ووزن 9 أطنان، صممت على شكل سبحة، حيث تم زخرفتها على شكل “سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم 33 مرة”، كما سيحوي على 6 كيلومترات من الخطوط العربية، الكوفي، الثلث والعثماني، أما عن الزخارف، فهي جزائرية، وتمثل آخر زخرفة في قصر الحمراء، حيث تم اقتباسها لاستحضار التراث الزخرفي العربي الاسلامي، والمغاربي الأندلسي.
صرح ديني عالمي ومنارة للإشعاع الإسلامي تغطي كل المتوسط وافريقيا
لا يعتبر جامع الجزائر الأعظم مجرد مسجد ضخم يخصص للصلوات الخمس، بل سيكون هيئة مرجعية ومدرسة دينية ومركب حضاري كبير جدا، لا يقاس بعدد المصلين، ولكن يقاس بالبعد الحضاري للدولة الجزائرية المستقلة، التي سيكون رمزا لها، ولأحد ثوابتها الأساسية، كما أنه سيكون صرحا ثقافيا وعلميا من خلال دار القرآن التي تعتبر كلية للعلوم الإسلامية، تحوي 300 طالب، في مستوى الماجستير والدكتوراه، أغلبهم سيكونون من الأئمة المتخرجين والحاصلين على شهادة الليسانس بعد النجاح في مسابقة، بالإضافة إلى أنه سيكون مقصدا للطلبة الأجانب اللذين يريدون ان يدرسوا تعليم الدين الحنيف على المذهب المالكي الوسطي، حيث سيتم تدريس كافة نواحي الدين كعلوم التفسير والفتاوى والحديث، كل هذه المخازن العلمية تحتاج إلى أن تبرز لتبين ما هو الإسلام الحقيقي في الجزائر.
منارة المحمدية ستصبح مركز استقطاب سياحي في العاصمة
لن يكون جامع الجزائر أيضا مدرسة قرآنية وصرح لتعليم ديننا الحنيف، بل سيكون مزارا ومقصدا سياحيا حقيقيا، ليضع أكبر وأضخم معلم ديني سياحي في الجزائر، ليحل محل عشرات الزوايا والمساجد التي تزخر بها الجزائر، حيث سيفتح للجزائريين والأجانب على حد سواء للاطلاع على جوهرة الجزائر الجديدة، التي ستتضمن لوحات تلخص تاريخ الجزائر من خلال “الصمعة” التي ستكون بمثابة متحف لتاريخ الإسلام في الجزائر، وتلخص كل المنجزات الدينية، أين ستسمح لكل من يصعد الى الطابق العلوي بالمصعد ثم الهبوط مرتجلا، سيجد كل طابق يمثل عصر من عصور الجزائر، القديم الوسيط والحديث، حتى بعد الثورة ـ معركة البناء.
ويتوقع أن يزور المسجد مئات آلاف الجزائريين قبل نهاية السنة، خصوصا وأنهم انتظروا افتتاحه لسنوات طويلة، قبل أن يتحول إلى نقطة سياحية للوافدين من الخارج، الأمر الذي قد يحدث بداية من السنة المقبلة، في حال التخلص نهائيا من تداعيات وباء كورونا.
اهتمام رئاسي بالمسجد وهيئتان تقنية وعلمية لتسييره
يحظى جامع الجزائر الأعظم باهتمام خاص من طرف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، وذلك منذ أن كان وزيرا للسكن، حيث كلف الرئيس في آخر مجلس للوزراء، وزيري الشؤون الدينية والأوقاف والسكن والعمران والمدينة تحت إشراف الوزير الأول بوضع تصور لتأسيس هيئتين تهتم الأولى بالتسيير اليومي والصيانة للمجمع والثانية تتولى التسيير الديني والعلمي المحض له، مع رصد الإعتمادات المالية اللازمة للتسيير ابتداء من أول نوفمبر القادم، وإعداد مشروع ميزانية تدرج فيها عائدات هذا المجمع الحضاري.
هذا وعبّر الرئيس عن ارتياحه لما شاهده أثناء زيارته التفقدية التي قام بها يوم الخميس الماضي إلى جامع الجزائر وملحقاته شاكرا القائمين على المشروع والكفاءات الوطنية التي راعت في إنجاز هذه التحفة المعمارية، والصرح الحضاري والديني والثقافي ما تزخر به الجزائر من أصالة وتنوعٍ ثقافي وعمقٍ تاريخي.
1 نوفمبر يتزين هذه السنة بحدث تاريخي إضافي
سيتم افتتاح المسجد الأعظم في الفاتح نوفمبر المصادف للذكرى 66 لاندلاع الثورة التحريرية المباركة، والتي أكد فيها بيان نوفمبر أن الدولة الجزائرية ستبنى على الأسس الديمقراطية الاجتماعية وفق المبادئ الإسلامية، حيث ستكون الفرحة فرحتان هذه السنة، وسيكون الاحتفال تاريخيا.
من جانبها تسهر وزارة الشؤون الدينية على الانتهاء من آخر التنظيمات الخاصة بالمناسبة، خصوصا ما تعلق بتحضير الكادر الديني الذي سيشرف على هذا المسجد العظيم، والذي أكدت بعض المصادر أنه سيضم ما يقارب 100 شخص موزعين ما بين إمام المكلفين بالخطابة والصلوات إضافة إلى مجموعة من المؤذنين من ذوي الخبرة والتجربة، لأن الهدف هو السهر على التسيير الحسن لمسجد الجزائر الذي يحتل المرتبة الثالثة بعد الحرمين الشريفين، فيما يبقى الغموض يلف اسم الإمام الذي سيشرف على هذا الصرح الديني، حيث تقدم لهذا المنصب مجموعة من المترشحين من ذوي الخبرة والتجربة ومعروف احترامهم للمرجعية الدينية الوطنية التي تعد أحد ركائز تولي منصب “كبير الأئمة”، خاصة وأن رئيس الجمهورية أوصى بأن تكون شخصية تتمتع بالكفاءة الدينية والعلمية.
محمد سليمان










